حكم شراء واستخدام جهاز فحص الحامض النووي لمعرفة وقت الوفاة؟!

السؤال

تمكن علماء بريطانيون من تطوير فحص طبي للحامض النووي يستطيع التنبؤ بالعمر البيولوجي للإنسان، ومن ثم توقع موعد موته! وقال العلماء: إن الفحص يشكل مدخلا طبيًّا لمعرفة الأمراض الوراثية التي قد يصاب بها المرء، سواء القلب أو الزهايمر أو حتى السرطان، لي صديق حصل على هذا الجهاز وهو يستخدمه. فهل يجوز استخدام هذا الجهاز؟

الجواب

الحمد لله

قطع الله تعالى الطريق الموصلة للغيب المستقبل إلا أن يُخبر به هو من يشاء من عباده، وكل من ادّعى أنه يعلم الغيب المستقبل الذي اختص الله تعالى بعلمه فهو كاذب مفترٍ كافر، قال تعالى ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ ) الآية الأنعام/ 59.

فلفظة “عند ” تدل على الاختصاص، يعني عنده لا عند غيره، وقد حصر الله تعالى علم ذلك الغيب به وحده عز وجل فقال ( لاَ يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ ) فجاء بأداة الاستثناء ” إلا ” بعد النفي، وهو يدل على الحصر.

وقد سمَّى الله تعالى من الغيب الطلق الذي لا يعلمه إلا هو أشياء خمسة، وقد ذكرها تعالى في آخر سورة ” لقمان “، ونصَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلا لقول جبريل عليه السلام.

فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْحَامِ، وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ. رواه البخاري ( 992 ).

وفي حديث جبريل المشهور فيه قوله للنبي صلى الله عليه وسلم ( فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ) ثُمَّ تَلَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ). رواه البخاري ( 50 ) مسلم ( 9 ) من حديث أبي هريرة.

وأحد تلك الأشياء الخمسة كما هو واضح بيِّن العلم بساعة موت الإنسان، فلا تدري أي نفس متى تموت وفي أي أرض تفارق روحه بدنَه، فمن ادعى معرفة ذلك ولو بالاستدلال بأمارات وعلامات فهو كاذب إذا كان من الكافرين وهو كافر إذا كان من المسلمين.

قال القرطبي – رحمه الله -:

فمن قال: إنه يَنزل الغيثُ غدا وجزم: فهو كافر، أخبر عنه بأمارة ادَّعاها أم لا، وكذلك مَن قال: إنه يعلم ما في الرحم: فهو كافر؛ فإن لم يجزم وقال: إن النوء يُنزلُ الله به الماء عادة، وأنه سبب الماء عادة، وأنه سبب الماء على ما قدَّره وسبق في علمه: لم يكفر؛ إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر، وجهلا بلطيف حكمته. ” تفسير القرطبي ” ( 7 / 2 ).

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – معلِّقا على كلام القرطبي:

ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الاطلاع على الغيب: أنه ادَّعى لنفسه ما استأثر الله تعالى به دون خلقه وكذَّب القرآن الوارد بذلك كقوله ( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ) النمل/ 65، وقوله هنا: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ) الأنعام/ 59، ونحو ذلك. ” أضواء البيان ” ( 1 / 484 ).

وبما سبق ذِكره فإنه يُعرف الجواب عن السؤال الوارد أعلاه، وهو أنه يحرم شراء الجهاز ويحرم بيعه، ويحرم استعماله، ونعتقد جازمين بكذب أولئك المدَّعين أنهم علماء طب، وأن الأمر لن يعدو كونه احتيالا على عبَّاد الدنيا والشهوات والسذَّج من الخلق، وهؤلاء العلماء هم الكهَّان والمنجمون لكن بصورة عصرية؛ إذ لا يتجرأ على ادعاء علم الغيب إلا هم، وقد أخزاهم الله تعالى وظهر كذبهم للخلق، ثم جاء هؤلاء بصورة حديثة عصرية ليجدوا لهم قبولا بين الناس والمقصود المادي هو هدفهم جميعا.

وعلى المسلم أن يكون مستعدًّا للموت في كل لحظة، فلا يدري الواحد منا متى تحين ساعته، فليستعد لذلك بفعل الطاعات وترك المنكرات وإعطاء الحقوق لأهلها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وقد أنكر أن يحفر المسلمُ لنفسه قبرا:

والعبد لا يدري أين يموت، وكم مَن أعدَّ له قبراً وبني عليه بناءً وقُتِلَ أو ماتَ في بلدٍ آخر، وإذا كان مقصودُ الرجل الاستعدادَ للموت: فهذا يكون بالعمل الصالح، فإن العبد إنما يُؤنسُه في قبره عملُه الصالح، فكلَّما أكثر من الأعمال الصالحة – كالصلاة والقراءة والذكر والدعاء والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كان ذلك هو الذي ينفعه في قبره. ” جامع المسائل ” ( 4 / 219 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة