مات ابنه الصغير بمرض في بطنه فهل يكون شهيدًا ويشفع لسبعين من أهله؟

السؤال

مات ابني في سن الثالثة والنصف بسبب التهاب الصفاق والذي أصيب به نتيجة ثقب في الأمعاء، فهل يعتبر ابني شهيدًا؟ وإذا كان كذلك ففي كم من أهله يشفع؟ هناك معلومات قليلة عن موت الأطفال، والآن أسأل الله أن يلهمني الصبر، وأن يجمعني به في الجنة، ولكنني بعد موته بقليل وفي بدء المصيبة كنت أتساءل كثيرًا وأعارض موته، فهل يعاقبني الله؟ وأنا أعتقد أن في موته عقابًا لي.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يكتب لك أجرًا جزيلًا على مصيبتك بفقدك ابنك، وأن يخلفك خيرًا منه، والمؤمن يقابل ما يصيبه من ضرَّاء بالصبر والاحتساب، فإن فعل ذلك: كتب له الأجر، وإن سخط واعترض على قدر الله تعالى: أثم، فنرجو الله أن يصبِّرك على مصيبتك، وأن يرزقك الاحتساب عليها، واعلم أن نعَم الله تعالى عليك أكثر من أن تحصيها عدًّا فأنت عاجز عن شكرها قطعًا، وقد أعطاك الله تعالى أكثر مما أخذ منك، وما أخذه فهو له ليس لك، ولو عقلت معنى قول المؤمن عند المصيبة ” إنا لله وإنا إليه راجعون “: لتبين لك الأمر على حقيقته، وأنك أنت وما تملك بل والسموات وما فيها والأرض وما فيها: كلها لله تعالى، فهو خالقها ومالكها والمتصرف فيها.

واعلم أن حزنك لن يُرجع لك ابنك، فعليك أن تسأل الله تعالى دومًا أن يصبِّرك، واحذر من السخط على قدر الله تعالى فهو منكر ومحرَّم وله صور تُخرج صاحبها من الإسلام.

وانظر في أجوبتنا الأخرى لتقف على أجر من توفي له ولد فصبر عليه، وفي حكم التسخط على قدر الله تعالى وبيان موقف المؤمن من الابتلاء، وبيان كيف يعرف المصاب إن كانت مصيبته عقوبة أو ابتلاء لرفع درجاته.

ثانيًا:

وقد أكرم الله تعالى هذه الأمة في ثواب الشهداء في الآخرة فلم يجعله لمن يُقتل في المعركة فحسب، بل وجعله للمطعون – المقتول بمرض الطاعون -، والمبطون – المقتول بداء في بطنه -، وللغريق، وصاحب الهدم، وغيرهم، وهؤلاء يغسَّلون ويكفنون ويصلَّى عليهم في الدنيا، ولهم ثواب الشهداء يوم القيامة.

وذكرنا في جواب سابق أن الميت بسبب تعطل الجهاز الهضمي أنه من ضمن الشهداء الذين ينطبق عليهم وصف ” المبطون “، وهو ما نرجو أن يكون ابنك منهم فيحصل ثواب الشهداء في الآخرة، فجمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الصبي المقتول في المعركة مع الكفار له حكم الشهداء في الدنيا وله ثوبه في الآخرة – وذلك على القول بأن الصغار ستكون أعمارهم في الجنة ثلاثًا وثلاثين سنة -.

قال الشافعي – رحمه الله -:

وإن قُتل صغير في معركة أو امرأة: صُنع بهما ما يُصنع بالشهداء، ولم يُغسلا ولم يصل عليهما، ومن قتل في المعترك بسلاح أو غيره أو وطء دابة أو غير ذلك مما يكون به الحتف: فحاله حال من قتل بالسلاح.

وخالفَنا في الصبي بعضُ الناس فقال: ” ليس كالشهيد “، وقال قولَنا بعضُ الصحابة، وقال: الصغير شهيد ولا ذنب له فهو أفضل من الكبير. ” الأم ” ( 1 / 268 ).

ثالثًا:

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خصالًا لشهيد المعركة منها أنه يشفع لسبعين من أهله، والذي نراه أن هذه الخصال لا يشترك فيها شهداء الآخرة معهم بها، بل هي للنوع الأعلى والأسمى وهم شهداء الدنيا والآخرة – وهو ما رجحناه في جواب سابق.

عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ ). رواه الترمذي ( 1663 ) وصححه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

من اتصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطي مثل أجر الشهيد.

وقال :

فإن درجة الشهادة شيء وأجر الشهادة شيء.

” فتح الباري ” ( 10 / 194 ).

وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

شهيد معركة الكفار أجره أعظم وفضله أكثر، وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته، وهذا – أي: المقتول في معركة ضد البغاة – لا يلحق به في فضله فلا يثبت فيه مثل حكمه؛ فإن الشيء إنما يقاس على مثله.

” المغني ” ( 10 / 57 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

والشهداء أقسام، لكن أفضلهم شهيد المعركة في سبيل الله عز وجل، ومنهم المطعون، الموت بالطاعون، والمبطون الذي يموت بالإسهال في البطن، وصاحب الهدم الذي يموت بالهدم، يسقط عليه جدار أو سقف، وفي حكمه من يموت بدهس السيارات، وانقلاب السيارات، وصدام السيارات، هذا من جنس الهدم، وكذلك الغرق، كل هذه أنواع من الشهادة، لكن أفضلهم: شهيد المعركة، وهو الذي لا يُغسل، ولا يصلَّى عليه، أما البقية: فيُغسلون ويصلَّى عليهم، وإن كانوا شهداء.

أما الشفاعة: فقد جاء الحديث الصحيح في شهيد المعركة إذا كان صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، هذا جاء في شهيد المعركة، أما غيرهم: فالله أعلم، لهم فضل، ولهم خير، ولكن كونهم يشفعون في كذا، وكونهم يغفر لهم كل شيء: هذا محل نظر، يحتاج إلى دليل خاص، لكن لهم فضل الشهادة

” فتاوى نور على الدرب ” ( 4 / 338 ، 339 )، وأصله: ( شريط 613 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

حديث: ( الشهيد يشفع في سبعين من أهله ) هل المراد به شهيد المعركة؟.

فأجاب:

هذا في المقتول في سبيل الله، وأما غيرهم من الشهداء: فليس لهم شفاعة، ولا أظن – أيضًا – أن أرواحهم في جوف طير خضر. ” شرح صحيح مسلم ” كتاب الجهاد ( شريط رقم 13 ).

والفرق بين أرواح الشهداء وأرواح المؤمنين في البرزخ:

  1. أرواحَ الشهداء في أجواف طير خُضر، وأما أرواح المؤمنين فهي على صورة طير.
  2. أرواح الشهداء تسرح في الجنة حيث شاءت, ثم ترجع إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأما أرواح المؤمنين فإنها تعلَق – أي: تأكل – في شجر الجنة، ولا تسرح في الجنة كأرواح الشهداء.

ولعله أن يُستنى من أنواع الشهداء ممن يشترك مع شهيد المعركة في المنزلة والثواب: الميت بالطاعون؛ لأن له جراحًا تشبه جراح المقتول في المعركة.

عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْ الطَّاعُونِ فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا فَيَقُولُ رَبُّنَا انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَ جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ. رواه النسائي ( 3164 ) ، وحسنه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 10 / 194 ).

وزاد أحمد ( 28 / 396 ) : ( فَيُلْحَقُونَ مَعَهُمْ ).

وروى أحمد ( 29 / 198 ) عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ نَحْنُ شُهَدَاءُ فَيُقَالُ انْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا رِيحَ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ. وحسنه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 10 / 194 ) وانظر هناك تفصيل المستحق للأجر ممن يموت بالطاعون.

رابعًا:

ومع ما سبق فإننا نبشرك أن أطفال المسلمين لهم شفاعة عند الله لوالديهم، فنرجو أن يقبل الله شفاعة ابنك بك وبأمه، وأن تدخلوا الجنة جميعًا.

عن أبي حسان قال: قلتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّه قَدْ مَاتَ لِي ابنانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَدِيْثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قالَ: نَعَمْ، صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ – أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ – فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ – أَوْ قَالَ بِيَدِهِ – كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنَفَةِ ثَوْبِكَ هذا، فَلَا يَتَنَاهَى حتى يُدخِلَه اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ. رواه مسلم ( 2635 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة