من أصيب بأمراض نتيجة معصية هل تكون له كفارة؟ وهل إذا تاب أُجر عليها؟
السؤال
كنت أمارس العادة السرية منذ 11 سنة، بحيث سبَّبت لي مجموعة من الأمراض، والآن – والحمد لله – تُبت إلى الله، فهل استمرار الآلام التي أشعر بها مأجور عليها؟.
الجواب
الحمد لله
- الخير للمسلم العاصي أن تعجَّل له عقوبته في الدنيا بما يصيبه به ربه تعالى من أمراض ومصائب في ماله أو بدنه، وهذا خير له من تأخير ذلك لعقوبته بها في الآخرة.
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). رواه الترمذي (2396) وحسنه ، وصححه الألباني في “صحيح الترمذي “.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب، فإذا أراد الله بعبده الخير: عجَّل له العقوبة في الدنيا، إما بماله أو بأهله أو بنفسه أو بأحد ممن يتصل به .
المهم: أن تعجل له العقوبة؛ لأن العقوبات تكفِّر السيئات، فإذا تعجلت العقوبة وكفَّر الله بها عن العبد: فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب قد طهرته المصائب والبلايا حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه حتى يخرج من الدنيا نقيًّا من الذنوب، وهذه نعمة؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
لكن إذا أراد الله بعبده الشر: أمهل له واستدرجه وأدرَّ عليه النِّعَم ودفع عنه النقَم حتى يبطر ويفرح فرحًا مذموما بما أنعم الله به عليه، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته، فيعاقَب بها في الآخرة، نسأل الله العافية.
فإذا رأيت شخصًا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدرَّ عليه النعَم: فاعلم أن الله إنما أراد به شرًّا؛ لأن الله أخَّر عنه العقوبة حتى يوافي بها يوم القيامة. ” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 258 ، 259 ).
ولا شك أن الأمراض التي أصابتك – أخي السائل – بسبب فعلك للعادة السيئة هي من باب العقوبات على تلك المعصية، فاعلم أولًا أن من الخير لك ما حصل معك من إصابتك بها، ومن هنا قال قال الحسن البصري رحمه الله: ” لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك – أي : هلاكك – “.
- ومن فوائد إصابة المذنب بالمصائب أنها تذكره بربه تعالى، فربما تُحدث له توبة ورجوع إلى ربه تعالى، وربَّما تجعل منه عبدًا صالحًا طائعًا يعوِّض ما فاته من حياته بالأعمال الصالحة.
قال تعالى ( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم/ 41.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
أي: استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها.
هذه المذكورة ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) أي: ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجَّل لهم نموذجًا من جزاء أعمالهم في الدنيا.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عن أعمالهم التي أثَّرت لهم من الفساد ما أثرت، فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم، فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. ” تفسير السعدي ” ( ص 643 ).
- واعلم – أخي السائل – أن إصابتك بتلك الأمراض قبل التوبة إن لم يصاحبها تسخط على الله تعالى وعلى قدَره: فإنها تكون مكفِّرة لما فعلته من ذنوب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ). رواه مسلم ( 2574 ).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ). رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ) – واللفظ له -.
ولفظ البخاري: ( إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ).
- والصحيح من أقوال العلماء أن المصائب على العبد المذنب هي عقوبات تكفر السيئات ولا ترفع الدرجات ولا يُثاب عليها؛ لأن الثواب ورفعة الدرجة إنما تكون على الأعمال والطاعات لا على فعل الرب تعالى المجرد، فإن صبر واحتسب: أٌجر على فعله لا على مجرد مصيبته التي أصابته – إلا أن تكون المصيبة بسبب طاعة كما سيأتي -، وهذا قول أجلة مِن الصحابة كأبي عبيدة وابن مسعود رضي الله عنهما، وأجلة من العلماء المحققين كابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والدلائل على أن المصائب كفارات: كثيرة، إذا صبر عليها: أثيب على صبره، فالثواب والجزاء إنما يكون على العمل وهو الصبر وأما نفس المصيبة: فهي من فعل الله لا من فعل العبد، وهي من جزاء الله للعبد على ذنبه وتكفيره ذنبه بها، وفي المسند ” أنهم دخلوا على أبى عبيدة بن الجراح وهو مريض فذكروا أنه يؤجر على مرضه فقال: ” ما لي من الأجر ولا مثل هذه ولكن المصائب حطَّة ” فبيَّن لهم أبو عبيدة رضى الله عنه أن نفس المرض لا يؤجر عليه بل يكفر به عن خطاياه. ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 30 / 363 ).
وقال ابن القيم – رحمه الله -:
وذكر عن أبي معمر الازدى قال: كنَّا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئًا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: ” ألا إن السقم لا يكتب له أجر فساءنا ذلك وكبر علينا ” فقال: ” ولكن يكفر به الخطيئة “، فسرَّنا ذلك وأعجَبَنا.
وهذا مِن كمال علمه وفقهه رضي الله عنه؛ فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما تولَّد منها، كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة ” التوبة ” في قوله في المباشر من الإنفاق وقطع الوادي ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُم ) وفي المتولد من إصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) فالثواب مرتبط بهذين النوعين.
وأما الأسقام والمصائب: فإن ثوابها: تكفير الخطايا ولهذا قال تعالى ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال في المصائب ( كفَّر الله بها من خطاياه )، وكذا قوله ( المرض حطة ) فالطاعات ترفع الدرجات، والمصائب تحط السيئات، ولهذا قال ( من يرد الله به خيراً يصب منه ) وقال ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه.
” عدة الصابرين ” ( ص 69 ، 70 ).
- وهذه الذنوب التي تكفرها المصائب والأمراض التي تكون عقوبات: يُحتمل أنها تكفِّر جميع الذنوب، والجمهور على أنها تكفر الصغائر فحسب.
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – بعد شرح طائفة من الأحاديث كحديث (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ) -: وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك – غالبًا – من ألمٍ بسبب مرض أو همٍّ أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث بن مسعود ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته ثم المراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة. ” فتح الباري ” ( 10 / 108 ).
- وهذه الأمراض التي أُصبت بها والآلام التي تشعر بها تؤجر عليها بعد التوبة إن شاء الله، فالتوبة رفعت العقوبة وجاءت بالمثوبة، وهذا ما ذكره أهل العلم في المصائب والأمراض التي تكون بسبب طاعة وعبادة، فهي تكون ابتلاء والحالة هذه، بخلاف تلك التي تكون قبل التوبة فإنها عقوبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والذين يُؤذَوْن على الإيمان وطاعة الله ورسوله، ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال، وهم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم المهاجرين الأولين: فهؤلاء يثابون على ما يُؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح، كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظة الكفار، وإن كانت هذه الآثار ليست عملا فَعَلَه ويقوم به، لكنها متسببة عن فعله الاختياري وهي التي يقال لها متولدة. ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 124 ).
والخلاصة:
أن ما أصابك من أمراض نتيجة معصية العادة السيئة يكون كفارة لذنبك، وأن هذا التكفير لتلك السيئات مشروط بعدم تسخطك على ربك تعالى في ذلك الحين، وأنك تؤجر على ما تشعر به من آلام وما أنت فيه الآن من أمراض بعد توبتك، فالإصابة بالأمراض قبل التوبة تكفر السيئات من غير أجور ولا ثواب، وبعد التوبة تؤجر على أمراضك وآلامك.
ونسأل الله تعالى أن يتمَّ عليك نعَمه، وأن يشفيك ويعافيك، ويثبتك على التوبة وأن يوفقك للمزيد من الأعمال الصالحة.
والله أعلم.


