نصائح وتوجيهات لمن يقلقه التفكير في أزواج زوجته السابقين
السؤال
تزوجت مؤخرا من أخت تزوجت من قبل ثلاث مرات، وعندما تعارفنا في فترة الخطبة كانت أمينة معي ولم تخفِ عني أي شيء احتجت إليه في أمر الزواج منها، وهي أم لطفل، وبعد أن أطلعتني على كل شيء صليت الاستخارة وكنت سعيدا بزواجي منها فهي على قدر من الدِّين وتتمتع بجمال خلاب، وأما أنا فمطلِّق ولدي طفل أيضا، وعندما جاءت للعيش معي وجدت الأفكار تدور برأسي حول علاقاتها بأزواجها السابقين، وأعرف مدى غبائي في التفكير في ذلك وأن الشيطان يوسوس لي رغم أنها ما شاء الله لديها صفات حميدة، فهي زوجة مطيعة وتخاف الله، وكان هذا حلمي في زوجة أتزوجها، وشعرت أني لست عادلا معها في فترة الثلاث شهور الأولى من الزواج، فقد كنت فظّا معها بسبب تلك الأفكار التي تساورني، مما كان يجعلني عصبي المزاج، وهي حامل الآن، وأنا أحبها بشغف، وهي تساعدني على قربي من الله والجنة، فهي تدفعني للتمسك بديني، وهي ترتدي الحجاب، وتقرأ القرآن كثيرا، وتحضر الصلوات في المسجد في وقتها، لكن مشكلتي معها هو التفكير في ماضيها، فلا أحب فكرة تخيل أنها كانت في حضن رجل آخر، وهو مرض أعاني منه فأحيانا أكون قويّا وأحيانا يتلاعب بي الشيطان حتى يصيبني الدوار من كثرة الأفكار، وأنا أحاول الإنابة إلى الله، وعندي يقين بأن الزمن خير علاج، فلو تنصحني أقدِّر لك ذلك. جزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
مما يهوِّن علينا أمر نصحك وتوجيهك أنك تعلم من نفسك أنك مخطئ في تصرفاتك الفظة تجاه زوجتك، وأنها لا تستحق منك تلك المعاملة، وهي التي لم ترتكب معصية، بل كانت مع أزواج وفق كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهي لم تكن إلا في حضن زوج أحلَّ الله لها أن تكون فيه كما أحلَّ لك أن تكون في حضن زوجتك السابقة، فلا فرق بين ماضيك وماضيها، وكلاكما كنتما متقيان لله تعالى ربكما، ولم تصرِّفا شهوتكما إلا في الحلال.
أخي الفاضل:
لو سألناك أيهما أكثر غيرة أنت أم نبيك محمد صلى الله عليه وسلم: لما ترددت في الإجابة أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فهل تعلم أن كل نسائه رضي الله عنهن كنَّ متزوجات قبله إلا عائشة رضي الله عنها؟! ولو كان الزواج من مطلَّقة أو أرملة فيه ما يعيب الرجل لما رضي الله تعالى بذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهل تعلم أن إحداهن رضي الله عنهن وهي زينب بنت جحش رضي الله عنها قد زوَّجها ربُّها تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟! نعم، قال الله تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ) الأحزاب/ 37، ولذا حُقَّ لها أن تفخر بذلك، كما جاء عن أنس رضي الله عنه في قوله ” فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ “.
رواه البخاري ( 6984 )، وروى مسلم ( 177 ) عن عائشة رضي الله عنها مثل قول أنس رضي الله عنه.
وهذه الصحابية الجليلة ” أسماء بنت عميس ” هل تعرف كم مرة تزوجت؟ تزوجت ثلاث مرات من ثلاثة رجال أفاضل لم تنجب الأرحام بعد عصر الصحابة مثلهم، وكانوا على درجة عالية من العلم والدين والشجاعة والغيرة، فقد تزوجها أولا جعفر بن أبي طالب، ثم مات عنها، فتزوجها أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، ثم لما مات عنها تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فما عابها ذلك بل رفع قدْرها، وما عابهم التزوج بأرملة وقد رأوا نبيهم صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولو ذلك عيبا ومنقصا للمروءة والغيرة – وحاشاه أن يكون كذلك – لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه.
أخي الفاضل:
الرجل العاقل ينظر إلى واقع امرأته الآن، فيحمد له طاعتها واستقامتها، ويعظها إن كان ثمة تقصير عندها، وأنت لم تذكر عن زوجتك إلا خيرا، فليس لك أن تعيش في قلق وهمٍّ دائمين لن يُجديا لك نفعا بل سيعودان على حياتك بالأسى وقد يسببان لك الفُرقة بينك وبين زوجتك فتخسر كثيرا، فدع عنك القلق والتفكير في تاريخها، فالقلق ليس يجلب لك إلا هموما وغموما وتاريخ زوجتك ناصع البياض ليس فيه ما يعيبها ولا يعيبك، فكن معها في تثبيتها على الاستقامة، وكن إلى جانبها في تقوية إيمانها، واجعل من أسرتك أنموذجا للأسرة الفاضلة المستقيمة على طاعة الله تعالى.
أخي الفاضل:
زوجتك ليس ذنب فيما كان منها من زواج سابق، بل كانت متزوجة زواجا شرعيّا أحلَّه الله تعالى لها، وأنت الذي جئتَ إليها خاطبا، ثم استخرت الله تعالى ربَّك فصرتَ لها زوجا، وكان بإمكانك عدم التفكير في موضوع التزوج بها ابتداءً، ولكنك اخترت ذلك، ولنعم الاختيار اختيارك لما ذكرت عنها من أخلاق ودين، فاحذر من ظلمها وجفائها، فأنت من جاء إليها وليس العكس.
أخي الفاضل:
اعلم أنه سيكون لك – إن شاء الله – ذريَّة من البنات، فإذا قدِّر الله تعالى لهن الزواج ومات أحد أزواج بناتك أو طلَّقها كيف ستنظر إليها وإلى أمرها؟ إن نظرتك إليها وإلى أمرها لا ينبغي أن يكون مختلفا عن النظر إلى زوجتك وأمرها، فأنت – ولا شك – لن ترضى لابنتك المطلقة أو الأرملة أن تتزوج من آخر، بل ستكون سعيدا بذلك، والعقلاء يبحثون بأنفسهم عن زوج مناسب لابنتهم، كما عرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنته حفصة – بعد وفاة زوجها – على عثمان ثم على أبي بكر، رضي الله عنهم جميعا.
أخي الفاضل:
اعلم أن الشيطان إن تمكَّن منك لتطلقها – وهذا ما لا نرضاه منك ولا نتوقعه إن شاء الله – فقد تسبب لك ولها الضرر، أما أنت فستكون هذه الزوجة الثانية التي تطلقها، وقد تُعرف بهذا بين الناس فتقل أو تنعدم فرص تزوجك بأخرى، وأما هي فستكون أنت الزوج الرابع لها وقد تقل أو تنعدم فرص تزوجها بآخر، فانظر في قرارك، وتمهل كثيرا، واعلم أن الفُرقة بين الزوجين من أجلِّ الأعمال عند إبليس، فهو يقرِّب ويحب جنده من الشياطين الذي يفرِّقون بين المرء وزوجه.
أخي الفاضل:
هب أنك تزوجت بكرا ليس لم يكن لها زوج قبلك – ولعلك فعلت في زواجك الأول – ولم تكن هذه الزوجة على استقامة ودين فماذا كنت تصنع إن عجزت عن إصلاحها؟ والإجابة المتوقعة أنك ستطلقها! فصار الأمر – والحالة هذه – راجعا إلى الدين والاستقامة لا لكونها لم تتزوج من قبل، وأنت قد رزقك الله زوجة بمواصفات ترغبها، وأنت تثني على دينها واستقامتها، فكن خير زوج لها كما هي كذلك لك، واتق الله ربَّك فيها.
والله الموفق.


