من الذي كتب القرآن وكيف تم تجميعه وترتيبه؟
السؤال
أدرس في كلية في الولايات المتحدة. وأطرح هذا السؤال عليك لأستفيد منه في بحثي (وذكرت اسم المادة).
من الذي كتب القرآن وكيف تم تجميعه وترتيبه؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لابد أن نعلم أن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة مدة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين كما صح ذلك عن عائشة -رضي الله عنها- من قولها. رواه البخاري ( 4159 ).
ثانيًا:
كان الصحابة – رضي الله عنهم – يحفظون ويكتبون ما نزل من القرآن على جذوع الأشجار والحجارة وعلى اللحائف.
ثالثًا:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيءٍ سوى القرآن ونهاهم عن كتابة كلامه مؤقتا حتى تتوافر همم الصحابة على حفظ القرآن وكتابته ولا يختلط كلامه بكلام الله تعالى .
رابعًا:
وكَّل النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة الأمناء الفقهاء حتى يكتبون الوحي، وهم ما عرفوا في تراجمهم بكتاب الوحي كعبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت وغيرهم.
خامسًا:
ولابد أن نعلم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. رواه البخاري( 2287 )، ومسلم ( 818 ).
ومثال ذلك قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة }[ الحجرات / 6 ]. وفي قراءة أخرى: { فتثبتوا}
والتبين والتثبت بمعنى واحد ولكن بعض العرب يستعمل التبين عن الاستخبار والآخر يستعمل التثبت وهكذا.
سادسًا:
بقي القرآن محفوظًا في صدور الحفاظ الصحابة وعلى جذوع الأشجار واللحائف إلى زمان الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي حروب الردة قتل كثير من حفاظ الصحابة فخشي أبو بكر- رضي الله عنه -أن يذهب القرآن ويضيع في صدور الصحابة، فاستشار كبار الصحابة لجمع القرآن كاملا في كتابٍ واحدٍ حتى يبقى محفوظًا من الضياع، وأوكل المهمة إلى جبل الحفظ زيد بن ثابت وغيره من كتاب الوحي فأخرج البخاري في ” صحيحه ” ( 4986 ) عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال:” أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن،وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال عمر: هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم } حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنه “.
وكان الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه يحفظ القرآن ولكن اتخذ منهجا في التثبت فكان لا يقبل أن يكتب آية إلا أن يُشهد على ذلك اثنين من الصحابة أنهما سمعاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستمر هذا المصحف بيد الخلفاء إلى زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان الصحابة رضي الله عنهم قد تفرقوا في البلاد وكانوا يقرؤون القرآن على حسب ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحرف السبعة، فكان تلاميذهم يقرأ كل واحد منهم على حسب ما أقرأه شيخه.
وكان التلميذ إذا سمع قارئاً يقرأ على لفظ فيه اختلاف عن قراءته أنكر عليه وخطأه وهكذا خشي بعض الصحابة أن تحدث فتنة بين التابعين ومن بعدهم فرأى أن يجمع الناس على قراءة واحدة لرفع الخلاف وحسم الأمر فاستشار عثمان رضي الله عنه فوافق على هذا الرأي.
فروى البخاري في “صحيحه” ( 4702 ) عن ابْنِ شِهَابٍ الزهري أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. انتهى.
وبذلك انقطع الخلاف بين من دخل في دين الله واتفقت الكلمة على ما كتبه أولئك الصحابة وأجمع عليه من سمعه من الباقين ، وهو ما سمي بـ ” مصحف عثمان “.
سابعًا:
وأما بالنسبة لترتيب القرآن فهو اجتهادي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن قال إنه توقيفي استدل بحديث ضعيف لا يصح.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قلت لعثمان بن عفان:” ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول ما حملكم على ذلك؟، فقال عثمان :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما أنزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتها في السبع الطوال”.
رواه الترمذي ( 3806 )، وأبو داود ( 786 )، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال العلامة الشنقيطي- رحمه الله -:
يؤخذ من هذا الحديث أن ترتيب القرآن بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك بلا شك وكما يفهم منه أيضا أن ترتيب سوره بتوقيف أيضا عدا سورة براءة وهذا أظهر الأقوال ودلالة الحديث عليه ظاهرة. ” أضواء البيان ” ( 2 / 427 ).
قلت: لكن الحديث ضعيف، فلا يصلح للاستشهاد.
وعلة الحديث: يزيد الفارسي وهو مجهول .
عن حذيفة قال: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح بالبقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها…… رواه مسلم ( 772 ).
* قال النووي:
قال القاضي عياض: فيه دليل لمن يقول إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف, وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم بل وَكَله إلى أمته بعده. قال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء, واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني, قال ابن الباقلاني: هو أصح القولين مع احتمالهما .
قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين، والتعليم, وأنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نص, ولا حد تحرم مخالفته, ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان.
قال: واستجاز النبي صلى الله عليه وسلم والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين.
قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان, وإنما اختلاف المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير, فيتأول قراءته صلى الله عليه وسلم النساء أولا ثم آل عمران هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب, وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبيّ
قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى, وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة .
قال: وقد أباحه بعضهم .
وتأويل نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها.
قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف, وهكذا نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلام القاضي عياض. والله أعلم. شرح مسلم ” ( 6 / 61، 62 ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والقرآن في زمانه لم يكتب، ولا كان ترتيب السور على هذا الوجه أمرًا واجبًا مأمورا به من عند الله، بل الأمر مفوض فى ذلك إلى اختيار المسلمين، ولهذا كان لجماعة من الصحابة لكل منهم اصطلاح فى ترتيب سوره غير اصطلاح الآخر. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 353 ، 354 ).
والله أعلم.


