أيهما أفضل للأرملة الزواج أم عدمه؟
السؤال
هل من المستحسن الزواج بأرملة لديها أطفال؟ أعني، هل من الأفضل لها أن تتزوج, أم تبقى بدون زواج؟ أرجو التوضيح؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا يقال في مثل هذه الحال إن الزواج من أرملة ذات أطفال أفضل من البكر، بل يرجع ذلك إلى حال الزوج، فقد يتناسب حاله والزواج من أرملة، فيكون ذلك أفضل.
وقد تكون الأرملة صاحبة دين وخلق لا يفرط في مثلها، ولا يجد من الأبكار ما هو مثل حالها.
أما من حيث العموم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب بنكاح الأبكار.
وهذا جابر رضي الله عنه قد مات والده وترك له أخوات فلم يتناسب حاله والزواج من صغيرة في أعمارهن، ورغب رضي الله عنه بنكاح ثيب تقوم على خدمتهن ورعايتهن ، فوافقه النبي صلى الله عليه وسلم.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا فأتى علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال جابر فقلت نعم قال ما شأنك قلت أبطأ علي جملي وأعيا فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنه ثم قال اركب فركبت فلقد رأيته أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تزوجت قلت نعم قال بكرا أم ثيبا قلت بل ثيبا قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قلت إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن قال أما إنك قادم فإذا قدمت فالكيس الكيس ثم قال أتبيع جملك قلت نعم فاشتراه مني بأوقية ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي وقدمت بالغداة فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال أالآن قدمت قلت نعم قال فدع جملك فادخل فصل ركعتين فدخلت فصليت فأمر بلالا أن يزن له أوقية فوزن لي بلال فأرجح لي في الميزان فانطلقت حتى وليت فقال ادع لي جابرا قلت الآن يرد علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه قال خذ جملك ولك ثمنه.
رواه البخاري ( 1991 ) ومسلم ( 715 ). وفي رواية عند البخاري ( 2257 ): ” تعلمهن وتؤدبهن “
وفي رواية أخرى عند البخاري ( 2805 ) ومسلم ( 715 ): قال وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي حين استأذنته هل تزوجت بكرا أم ثيبا فقلت تزوجت ثيبا فقال هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك قلت يا رسول الله توفي والدي أو استشهد ولي أخوات صغار فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات فتزوجت امرأة ثيبا فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت يا جابر فقلت نعم فقال بكرا أم ثيبا قلت بل ثيبا قال فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك قال فقلت له إن عبد الله هلك وترك بنات وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهن فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن فقال بارك الله لك أو قال خيرا. رواه البخاري ( 5052 ).
قال الشيخ مصطفى الرحيباني:
( وسن ) لمن أراد نكاحا ( تخير ذات دين ) … ( البكر ) لقوله عليه الصلاة والسلام لجابر: ” فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك ” متفق عليه، ( إلا أن تكون مصلحته في نكاح ثيب أرجح ) فيقدمها على البكر مراعاة للمصلحة. ” مطالب أولي النهى ” ( 5 / 9 ، 10 ).
ثانيًا:
أما الأرملة نفسها فلا شك أن الأفضل لها هو أن تتزوج، فإن في الزواج صيانة لعرضها، ورعاية لأولادها، وهذا ما كان عليه القرون الأولى، فلا تكاد المرأة تنتهي عدتها حتى يأتيها الخُطَّاب، وأحيانًا يكون ذلك برغبة منها، وخاصة إذا كانت شابة صغيرة في السن.
والترمل فترة شديدة على المرأة، فهي قد فقدت زوجها الذي كان يعولها، ويعينها على تربية أولادها، والإسلام لا يفرض على الأرملة إلا الاحتداد بالابتعاد عن الزينة وبعدم الزواج فترة محدودة تسمى بالعدة التي تنتهي بوضع الحمل أو انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل، وبعد هذه الفترة تحل لها كل أنواع الزينة في الحدود المشروعة كما يحل لها أن تتزوج، غير أن بعض الزوجات لا ترغب في الزواج ثانيا وذلك لبعض الأسباب ومنها:
- وجود بعض الأعراف في بعض البلدان من نظرة الازدراء إلى من تتزوج بعد موت زوجها، أو بسبب نظرة الابن والبت إذا كانوا كبارًا لأمهم وهي زوجة جديدة، أو لصعوبة أن يروا أحدًا مكان والدهم.
- انشغال الأم الأرملة في تربية أيتامها الصغار وخشيتها من ضياعهم إن تزوجت بسبب انشغالها بزوجها الجديد أو قسوة زوجها الجديد عليهم، وخاصة مع كبر سنها.
وقد ذكرت أم سلمة عذرها للنبي صلى الله عليه وسلم في عدم الزواج أنها كبيرة السن وأن عندها أيتامًا.
- شدة حبها لزوجها الأول فلا ترضى بغيره بديلًا، سواء في الدنيا أو في الجنة، وقد ذكرنا أن أصح الأقوال أن المرأة لآخر أزواجها.
فأم الدرداء الصغرى – واسمها وهجيمة الأوصابية -، خطبها معاوية بن أبى سفيان فأبت لهذا السبب.
ولنا في الصحابيات خير قدوة، فهذه فاطمة بنت قيس: تزوجت أبا عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها، فخطبها عبد الرحمن بن عوف وأبو جهم ومعاوية بن أبي سفيان، ثم أشار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسامة بن زيد.
وهذه أسماء بنت عميس: تزوجت جعفر بن أبي طالب، ثم أبا بكر الصدِّيق، ثم علي بن أبي طالب.
قال الشعبي: تزوج علي أسماء بنت عميس فتفاخر ابناها: محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر فقال كل منهما:
أبي خير من أبيك، فقال علي: يا أسماء اقضي بينهما، فقالت: ما رأيتُ شابًّا كان خيرًا من جعفر ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر فقال علي: ما تركتِ لنا شيئًا ولو قلتِ غيرَ هذا لمقتكِ, فقالت: والله إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار. سير أعلام النبلاء ( 1 / 208 ).
وهذا عمر رضي الله عنه يبحث عن زوج لابنته حفصة بعدما تأيم، فيعرضها على أبي بكر وعلى عثمان، – وكلٌّ منهما كان متزوجًا – ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخطبها لنفسه.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي – وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدرًا توفي بالمدينة – قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئتَ أنكحتُك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه.
فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها. رواه البخاري ( 3783 )، و ( 4830 ) وبوَّب عليه: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.
– تأيمت: صارت أيِّماً، وهي من مات زوجها.
– أوجد: أشد غضبًا.
وننبه إلى أن بعض الدول الآن تصرف راتبًا للأرامل وتسهل لهم سبل المعاش، مما يدعوهن للاستغناء عن الزواج، والاكتفاء بما تصرفه لهم الدولة، وهو ما سبَّب مفاسد كثيرة بين الأرامل، وبخاصة إذا اجتمعن في سكنٍ واحد، فالواجب الانتباه لهذه المسألة، والمساهمة في طهارة المجتمع في المساعدة على تزوجهن والحض على تزويجهن.
والله أعلم.


