كلام مهم جداً ركزوا فيه واعملوا اشارة للوفد المفاوض..
اللي بفكر من الخارج إن غزة بقي فيها شيء، بكون غلطان.
للأسف، نحن نعيش هنا ونقول لكم: غزة انتهت.
رفح مُسحت واحتُلّت، والشمال كذلك.
خان يونس لم يتبقَ منها إلا بضعة أمتار غرباً.
مدينة غزة حوصرت خلال الأسبوعين الماضيين في مناطق محدودة غرباً، وبعض الأحياء في الوسط.
جميعنا الآن نجلس في بضعة أمتار!
تخيلوا! أقول لكم هذا الكلام وغزة بالأصل كلها، من شمالها إلى جنوبها، مساحتها 365 كيلومتر مربع فقط – يعني بحجم “حارة” في أي دولة!
فما بالكم الآن، وقد احتُلّ 70٪ من المدينة؟
يصرّ البعض على تصوير غزة وكأنها إمبراطورية، ليبرر كل ما يُرتكب بحقها من وحشية وهجوم بربري.
وأقولها للمرة الأولى:
لا يمكن بعد اليوم أن تصمد غزة، ولا حتى مقاتلوها الذين تتغنون بهم، وقد خذلتموهم لعامين!
استُشهد الآلاف، ومن تبقى يقاتل ببضعة أسلحة خفيفة في مواجهة ترسانة العالم كله!
أما من يقول إن إسرائيل تهدد باحتلال مدينة غزة كوسيلة ضغط، فأقول له:
إسرائيل فعلياً تسيطر على غزة كلها، بما فيها المدينة.
أنا أعيش غرب المدينة، قرب البحر، وأقولها بوضوح:
ما يفصلني عن الآليات العسكرية هو فقط “قرار”، متى جاء ستصل الدبابات إلى الشاطئ.
لا أقول هذا الكلام لإحباطكم، فلا يوجد إحباط أسوأ مما نعيشه فعلاً.
أتحدث حتى تصل رسالتي للوفد المفاوض، والله إني لكم ناصح.
كفى، تمسكوا بوقف الحرب. ما دون ذلك، قولوا “جاهزين”.
لا تنخدعوا بكلام جمهوركم وداعميكم من الخارج، فهم لا يعرفون شيئاً، يصفقون للإبادة ويشجعون على التضحية.
هم أصلاً خذلوكم قبل أن يخذلونا، والحرب أثبتت أنه لا ظهر لكم ولا دعم من الخارج.
كل الشعارات كانت فارغة، وحين بدأ الجد ترككم الجميع للمحرقة.
حتى أبناء الحركة أنفسهم في داخل فلسطين – كالضفة مثلاً – خذلوا حركتهم أشد الخذلان.
حتى الكلمة بخلوا بها على حركتهم خوفاً أن تُسحب منهم قطعة “برجر”!
أي شيء الآن، أي شيء، لن يكون أصعب مما نعيشه.
أقوى أسلحة العالم هدّت حيل أطفالنا ونسائنا.
نحن محاصرون في قطعة أرض صغيرة، نعيش ليالينا بألم، وأراذل القوم يتمتعون بقتلنا جواً وبحراً وبراً.
قدّموا كل شيء، بكل معنى الكلمة.
لأنكم إن لم تفعلوا، سيحدث ما يريده الاحتلال، ولكن بشكل أبشع بكثير.
حتى أنتم، أصحاب القرار، لن تفهموا معنى أن تُحاصر مع أطفالك في منطقة صغيرة، والأحزمة النارية تحيط بك.
لن تعرفوا هذا الرعب.
لم يتبق لكم وقت للتفكير.
عليكم أن تقدموا كل شيء، مهما كان الثمن، المهم أن يقف هذا الجنون.
سيقول البعض: “نتنياهو لا يريد وقف الحرب”.
أعلم..لكن هذا ما كان في السابق، لكنه اليوم، مستعد لوقفها بشرط واحد “أن يُعلَن نصره، وأن تقبل الحركة بصفقة انهزامية جداً.
نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:
* إما *صفقة انهزامية* ينجو بها من تبقى من أهل غزة.
* أو *محرقة جديدة* يخرج منها نتنياهو رافعاً شارة النصر، بعد أن خسرنا كل مدينة غزة بركامها.
حتى لو لم يعجب كلامي أحد، فأنا ابن غزة، أخاف عليها وعلى ناسها أكثر منكم، أعيش فيها، وأعرف ما يحدث على الأرض.
وللأسف، نحن انهزمنا منذ وقت، ولا عيب في ذلك فالعرب مش فقط خذلونا بل دعموا من يقتلنا بكل بجاحة!؟
سيكتب البعض آيات قرآنية ومواقف من سيرة الأولين.
أختصر عليكم:
أنا أحفظ سيرة الأولين، وأؤمن بإرادة الله وقدره ونصره لعباده المؤمنين.
لكن “الجهل والدروشة” قد تودي بأمة كاملة إلى الهلاك، حتى لو كانت صالحة!
هل أحدثكم عن أنبياء وأمم مؤمنة هُزمت بل مُسحت؟
نعم، لأن الأرض ليست للجزاء، بل للابتلاء.
والنصر ليس بالضرورة جزاءً للمؤمنين الصابرين.
“بلغت القلوب الحناجر”..
نحن عشنا ما هو أشد من هذه الآية، منذ عامين!
أنا، مثلاً، قلب طفلتي وزوجتي وصل لحناجرهم ألف مرة بهذه الحرب، أما قلبي، فلم ينزل أصلاً من حنجرتي منذ عامين خوفاً على أحبابي.
تلك الآية نزلت في النبي وصحابته بعد شهر واحد من حرب سيوف بين رجال ورجال.
وليس مثلنا اليوم، حرب أقوى الطائرات والدبابات على أطفال ونساء وكبار سن تُلقى عليهم حزامات نارية لم تُلقَ على أحد في العصر الحديث!
ختاماً: الدين ليس مفصولاً عن العقل.
بل الحكمة ضالة المؤمن.
وعادي جداً أن ينهزم المؤمن الجاهل، وينتصر الكافر العاقل.
لا وقت للمجاملات الآن، وإن كان يعزّ عليّ ما أقول، لكنها الحقيقة المرة:
(لم يتبقّ شيء.. كل شيء انتهى)
أحدثكم وأنا أعيش غرباً، وقذائف الآليات التي تُطلق من الشرق والوسط تهزّ روحي.
ليس خوفاً على نفسي، فمن يعرفني يعلم أنني لا أخاف،
لكن ضعفاؤنا أرهقوا أرواحنا.
سيقول البعض:
“هل سيترككم الاحتلال بعد أن تعلنوا انهزامكم؟”
أقولها للمرة الأولى:
نعم، سيتركنا، لأسباب يطول شرحها..
طالما أخذت الضمانات التي تطلبها منذ عامين وهي ضمانات وقف الحرب، تنازل عن كل شيء، لأنه في الواقع لا شيء الآن يحمينا من صواريخ شبه نووية، وعربدة واستباحة للدماء غير مسبوقة!؟ ماذا سيفعل الاحتلال أكثر، هل مثلاً سيقتلنا بنووي ..يااااه هذا والله ما نتمناه، ذبحوا قلوبنا قهراً منذ عامين، نرجوا الموت والله نطلبه من قلوبنا..
والله، القبر أرحم لنا من هذه الحياة.
باطن الأرض أأمن لنا من سطحها.
ما نعيشه ويعيشه أطفالنا ونساؤنا من رعب، لا يرضى به الله ولا رسوله، ولا مؤمن عنده ذرة إيمان.
أوقفوا الحرب، ونقبل جميعنا أن ندفع ضريبة الاستسلام، لعل الله يوماً يحدث أمراً، ويخلصنا من هذا الاحتلال بارداته.
كلام موجع لكنه واقع، ورأيت أن الأمانة تقتضي أن أقول ذلك..
سامي مشتهى.


