الحمد لله
انتشرت مقاطع حديثة لموضوع قديم يتكلم فيها أصحابها عن “واو الثمانية” وخاصة وجود الواو في قوله تعالى في الجنة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر/ ٧٣]، وخلوها من قوله تعالى في النار: ﴿فُتِحَت أبوابها﴾ [الزمر/٧١] في السورة نفسها.
ولما كان الكلام في المسألة طويلا ومتشعبا اخترت -لمن سألني عنها- قول وتحرير الإمام “ابن قيم الجوزية” رحمه الله، فقد أوفاها حقها بحثا وتقريرا، وذكر المواضع التي زعم أصحابها أنها تقوي قولهم في وجود ما يسمى “واو الثمانية”.
– وإليكم هذا التلخيص المفيد لأبرز أقواله بناءً على ما ورد في كتبه، وخاصة كتابه المبدع “بدائع الفوائد” :
١. يرفض ابن القيم وجود ما يُسمى بـ”واو الثمانية” في اللغة العربية أو القرآن الكريم، ويصف هذا المفهوم بأنه “ليس عليه دليل مستقيم” .
ويرى أن الاستدلال بالواو في بعض الآيات للإشارة إلى العدد ثمانية (مثل أبواب الجنة الثمانية) هو استدلال ضعيف وبعيد عن الصحة .
٢. المواضيع التي ناقشها ابن القيم:
أ. سورة التوبة (آية/١١٢):
في قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، يرى ابن القيم أن الواو هنا ليست للثمانية، بل هي للعطف بسبب التغاير بين الصفات .
قال:
فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد، حسن إسقاط حرف العطف.
وإن أريد الجمع بين الصفات، أو التنبيه على تغايرها، حسن إدخال حرف العطف.
فمثال الأول: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ﴾
ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾
ب. سورة الكهف (آية/٢٢):
في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، يرى أن الواو هنا إما للإيذان بتمام الكلام أو للعطف، وليس للدلالة على العدد ثمانية .
ج. سورة الزمر (آية/٧٣) -وهي الآية الأشهر في السؤال عنها والاستدلال بها-:
في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، يرفض ابن القيم الربط بين وجود الواو وعدد أبواب الجنة (الثمانية)، ويوضح أن الواو هنا للعطف وليس للعدد، وقد قال “وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها”.
يعني: لا يوجد لفظ “ثمانية” في الآية ليستدل بها على واو الثمانية، وهذا قاطع للاستدلال من أصله.
-(( قال إحسان العتيبي:
وما بعد هذا موضع مخالفة مني لابن القيم رحمه الله، حيث إنه يرى أن أبواب الجنة تكون مفتحة أصلا، وأن أبواب النار تفتح عندما يصل أهلها لها، وهذا غير ظاهر لي؛ لما ورد في الحديث الصحيح أن أبواب الجنة مغلقة حتى يفتحها نبينا صلى الله عليه وسلم، قال ﷺ: “آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أُمرتُ، لا أفتح لأحد قبلك” [رواه مسلم].
وهذا ينسجم تمامًا مع الآية: ﴿وَفُتِحَت أبوابها﴾ [الزمر/٧٣]، أي أنها مغلقة حتى يؤذن بفتحها تكريمًا للنبي ﷺ ثم لأمته.
أما النار فجاء وصف حال أبوابها: ﴿فُتِحَت أبوابها﴾ [الزمر/٧١] بلا واو؛ للدلالة على أنها مفتوحة قبل أن يصلها أهلها، فهم يرونها من بعيد، قال تعالى: ﴿إِذا رَأَتهُم مِن مَكانٍ بَعيدٍ سَمِعوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفيرًا﴾ [الفرقان/١٢]، أي: قبل أن يصلوها، يرونها وتفزع قلوبهم، ويسمعون صوت غليانها وزفيرها.
وقال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات/٣٦].
فالكفار يرون النار من بعيد قبل أن يُساقوا إليها، فتزداد رهبتهم وعذابهم النفسي.
انتهى تعليقي )).
فائدة:
في الآية والحديث السابق في “مسلم” أن الجنة مغلّقة الأبواب وعكسها أبواب النار، وبعد استقرار أهلهما فيهما ستنقلب الحال فتصير أبواب الجنة مفتّحة على الدوام، وتصير أبواب جهنم مؤصدة على أهلها.
قال ابن القيم -رحمه الله-:
﴿جَنَّـٰتِ عَدۡنࣲ مُّفَتَّحَةࣰ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَابُ﴾ [ص ٥٠]
تأمل قوله ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ كيف تجد تحته معنى بديعا؟
وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة كما هي. وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها. كما قال تعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾[الهمزة/٨]، أي: مطبقة مغلقة، ومنه سمي الباب وصيدا، وهي مؤصدة ﴿في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾[الهمزة/ ٩]، قد جُعلت العمَد ممسكة للأبواب من خلفها، كالحجر العظيم الذي يُجعل خلف الباب.
قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يُفتح لها باب، ولا يَخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
وأيضا: فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت.
وأيضا فيه إشارة إلى أنها دار أمن، لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب، كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا.
انتهى.
د. سورة التحريم (آية/٥):
في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، يرى ابن القيم أن الواو هنا تعكس التغاير بين الصفتين (الثيبات والأبكار) وليس للدلالة على العدد ثمانية .
٣. الأدلة التي قدمها ابن القيم:
أ. السياق اللغوي:
يؤكد ابن القيم أن الواو في العربية تستخدم للعطف أو للدلالة على التغاير بين الصفات، وليس للعدد.
ب. عدم وجود دليل من العربية:
وقد ذكر رحمه الله أن أئمة اللغة مثل سيبويه وابن منظور لم يذكروا هذا المصطلح، مما يدل على ضعفه.
٤. الخلاصة:
ابن القيم رحمه الله يرفض فكرة “واو الثمانية” بشكل قاطع، ويرى أن الواو في الآيات المذكورة هي للعطف أو لدلالات لغوية أخرى مثل التغاير أو التوكيد، وليس للدلالة على العدد ثمانية. ويصف هذه الفكرة بأنها “ضعيفة” و”بعيدة عن الصواب” .
٥. وبعد الانتهاء من تلخيص كلام ابن القيم رحمه الله في “واو الثمانية” رأيت تقوية موقفه بخلاصة بحث قيم للأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن صالح العبيد الأستاذ بكلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بعنوان (واو الثمانية بين اللغة والتفسير) منشور في مجلة الدرعية، العددان المدمجان ٤٤ ، ٤٥ لشهري ذي الحجة ١٤٢٩ هـ وربيع أول ١٤٣٠ هـ.
وكان مما ذكره الدكتور في نهاية بحثه:
– لم أجد في نثر العرب أو شعرهم أنهم استعملوا “واو الثمانية” لذاتها، ولم أجد كذلك من استشهد لهذه الواو بشيء من نثر العرب أو شعرهم.
– وجود “واو الثمانية” كقاعدة نحوية غير ثابت، فلم يثبت دليل صريح يعتمد عليه.
– لم يثبت -فيما ظهر لي- وجود “واو الثمانية” في القرآن الكريم، وأما الاستدلال بالآيات السابقة فهو ضعيف بل لا يستقيم. انتهى.
والله أعلم.
كتبه:
إحسان العتيبي أبو طارق
٤ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ، ٢٧/ ٨/ ٢٠٢٥

