لطفا حماس، أوقفوا هذا التجني والسفه
من يلقي نظرة على وسائل التواصل الاجتماعي يلحظ في ثنايا هذه الحرب الأخيرة ما يصدر من بعض حمقى شباب حماس وكذبة أنصارها من العجب العجاب، ولولا أن الأمر قد توسع وازداد حتى تجاوز الحد إلى مرحلة التأثير في صناعة الرأي العام في مجتمعات المسلمين لما خضت فيه ولا تناولته، ولكن يبقى واجب المشاركة في ترشيد الخطاب قائما، كما يبقى بذل النصح أمرا لا يسع عاقل إغفاله.
فحماس اليوم وهي في مجابهة طغيان الصهاينة وإجرامهم أحوج ما تكون إلى نصرة وبذل وتثبيت، غير أن قادتها وناشطيها وأنصارها يحتاجون كذلك إلى نصح يجلّي مواطن الخلل ويقوم جوانب النقص، فالكمال عزيز وكل بني آدم خطاء، وليس من شرط سلامة القصد أو صحة العمل أن يبرأ صاحبه من الزلل، ولذا فالواجب أن يبذل له مع التأييد في موضعه، النصح في موضعه، فكلاهما نصرة، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
ولعل من أبرز مواطن الخلل التي وقع فيها -وما يزال- بعض شباب حماس وناشطيها على منصات التواصل الاجتماعي، أمران خطيران، لا يجوز السكوت عنهما لا من عقلاء الحركة ورشدتها، ولا من علماء الأمة ودعاتها لما ينطويان عليه من كذب وظلم وتجاوز لحدود الحق والعدل، ولما يترتب عليهما من عواقب وخيمة إن لم ينكرا ويبتر شرهما.
أول ذلك الفجور في تشويه علماء الأمة والتجرؤ على مكانتهم، فقد بلغ الأمر ببعض السفهاء أن صاح: “أبلغوا علماء الأمة أن غزة تلعنهم”، فهل حقا تلعن غزة علماء الأمة الذين حمَّلهم بعض قادة الحركة وناشطيها فوق ما يطيقون، مطالبين إياهم بأن يتحولوا إلى مجرد أبواق تردد التصريحات، وتصدع بالبيانات، وتسوِّغ الأفعال، وتقود المظاهرات، وتقتحم السفارات، وتصمت عن الأخطاء والزلات، مع أن ميدان العلماء الأصيل هو البيان والتبليغ لا أن يزج بهم في جوانب ليست من اختصاصهم، أو لا قدرة لهم في بلدانهم القيام عليها، ومع ذلك يخرج بعض الناشطين بأوقح عبارة مخاطبا العلماء ليقول: “غزة تلعن صمتكم، وتبصق على مؤتمراتكم المنمقة، وبياناتكم التي لا تسمن ولا تغني من دم، أنتم لستم علماء، أنتم شهود زور”، والأدهى أن هذا الإسقاط المتعمد لمكانة العلماء في أعين الأمة يقابله ثناء مفرط من هؤلاء أنفسهم على سفاحي إيران وأكابر مجرميها الذين دمروا المدن وانتهكوا الأعراض وأراقوا الدماء وشردوا الشعوب بل ويقيمون لهم المآتم، ويرفعون لهم الدعاء في الخطب والقنوت، وكأن خذلانهم أهون مع أنهم أقدر ومن كان يعلم بقرار الحرب قبل وقوعها إن لم يكونوا قد شاركوا في صنعه، فبأي ميزان يقع هذا؟!، وبأي عقل أو دين يوزن؟!
وثانيهما، الفجور في تخوين الأمة واتهامها بالتخاذل مع أن الأمة من محيطها إلى محيطها لم تدخر وسعا في نصرة أهل غزة: دعاء وتبرعا وتأييدا وتعريفا بالجرائم الصهيونية والمآسي الغزاوية، فالشعوب كلها قد وقفت، وحرك الدعاة أبناء المسلمين لنصرة غزة وحماس، بل إن شعوبا كاملة دفعت أثمانا باهظة من أجل ذلك فالسودان أطيح بحاكمه وسحق شعبه لدعمه تسليح حماس، ومصر أسقط رئيسها المنتخب محمد مرسي لأنه جاهر بدعمها ومرر السلاح إليها، وليبيا غرقت في الفوضى وكان من أبرز أسباب ذلك انخراطها في تسليح الحركة، فبأي وجه بعد هذا يخون هؤلاء الناشطون الأمة، أقلّه إن غاب الوازع الديني الآمر بالعدل والإنصاف، فتحقيقا للمصلحة السياسية، فشعوب الأمة هي الحاضنة الحقيقية لحماس وهي سندها الأمين بعد الله تعالى أما إيران فهي صاحبة مشروع هيمنة تستثمر القضية الفلسطينية لتحقيق أهدافها وتبييض سوأتها، وتسقط جماهيرية خصومها في المنطقة وتخونهم وتجردهم من شعبيتهم، وليست بمعنية لا بتحرير القدس وفلسطين، ولا بنجدة غزة، وليست بجمعية خيرية، تعطي لوجه الله تعالى، كما يتوهم بعض الطيبين من ناشطي الحركة ومغفليها.
وختاما، فالمأمول من عقلاء حماس ومفكريها أن يوقفوا هذا العدوان الظالم والتجني السافر المورث للعداوة والبغضاء من ناشطي الحركة وأنصارها، وأن ينهوا عن هذا السفه والكذب فإنه ضار بالحركة قبل غيرها، وضار بقضية المسلمين في فلسطين، بل وبالأمة كلها لدوره في تفتيت الصف وتمزيق اللحمة وصرف الناس عن القيام بواجبهم تجاه غزة وأهلها.
نصرهم الله وعجل بفرجهم ورفع الكرب عنهم وتقبلهم في عباده المخلصين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله الهادي
د. فيصل بن علي البعداني
https://t.me/faisalalbadani/1886

