كشف الأوهام في فتوى إباحة العطر للمرأة خارج بيتها

السؤال

انتشر مقطع لأحد المتحدثين يقرر فيه إباحة تطيّب المرأة وخروجها بالعطر، محتجًا بجملة من الأحاديث النبوية، ومفرّقًا بين أنواع الطيب، ومواضع الخروج، ونيّة المرأة، فهل هذا الاستدلال صحيح؟ وما القول العلمي المنضبط في المسألة؟

الجواب

الحمد لله
فإن مسألة تطيّب المرأة عند خروجها من المسائل التي وردت فيها نصوص صحيحة صريحة، وفهمها يحتاج إلى جمع الأحاديث، وردّ المتشابه إلى المحكم، والنظر في القواعد الأصولية والمقاصدية، لا إلى تجزئة النصوص أو تحميلها ما لا تحتمل.
أولًا: التفريق بين (تعطرت) و(استعطرت) تفريق غير معتبر
ذهب المتحدث إلى أن لفظ “استعطرت” الوارد في حديث “أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ” – رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو صحيح- يدل على المبالغة في التطيّب، بخلاف “تعطرت” أو الرائحة الخفيفة.
وهذا التفريق غير صحيح لغةً ولا حديثًا.
أما لغةً، فصيغة “استفعل” تدخل على الأفعال الثلاثية لتفيد معانٍ متعددة، أبرزها: طلب الفعل -“استعفيته”-، وإلقاء الصفة -“استحسنته”-، والتحول – “استأسد”-، والاتخاذ -“أستأجر”-، ومطاوعة الأفعال الأخرى -“أحكمه فاستحكم”- مع حفظ أصل بنائها “استفعال” في المصدر.
وأما حديثًا، فقد جاء النهي في روايات صحيحة أخرى بألفاظ مختلفة، منها: “أيما امرأة تطيّبت” ، و”إذا أصابت إحداكن بخورًا” ، و”إذا مسّت إحداكن طيبًا” ، وهذه الألفاظ تشمل القليل والكثير، ولا تحتمل دعوى الإغراق أو التخصيص.
وقد ذكر شراح الحديث أن معنى “استعطرت” أي: استعملت العطر، وهذا يتوافق مع باقي ألفاظ الحديث والروايات الأخرى.
فالضابط في الحكم ليس مقدار العطر، بل وجود رائحته التي يشمّها الأجانب.
ثانيًا: قوله صلى الله عليه وسلم “ليجدوا ريحها” ليست لام تعليل مؤثرة في تخصيص الحكم
استدلّ المتكلم بأن اللام في قوله ﷺ: “أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية” لام تعليل، وبنى على ذلك أن التحريم مشروط بقصد المرأة أن يشمّ الرجال ريحها، فإذا انتفت النية انتفى الحكم.
وهذا الاستدلال غير صحيح من جهة الأصول واللغة معًا.
فاللام في العربية لا تختص بلام التعليل، بل تأتي لمعانٍ متعددة، منها لام العاقبة أو الصيرورة، كما في قوله تعالى:{ وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} الكهف/ ١٩، فبعثهم لم يكن لأجل تساؤلهم.
وعلى هذا قرر جمع من أهل العلم أن اللام في الحديث محمولة على بيان المآل والنتيجة، لا على قصد الفاعل ونيته؛ أي أنها خرجت متعطرة، فكان مآل فعلها أن وُجدت الرائحة وشمّها الرجال، فحصلت الفتنة، سواء قصدت ذلك أم لم تقصده.
ويؤكد هذا الفهم أن نصوص النهي الأخرى جاءت مطلقة غير معلقة بالنية، بل وليس فيها ذكر مرورها برجال يجدون ريحها، كرواية الترمذي “كلُّ عيْنٍ زانِيةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا” يَعْنِي زَانِيَةً.
قال المباركفوري -رحمه الله- في تفسير الزنى في الحديث: لأنها هيجت شهوة الرجال بعطرها، وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينيه، فهي سبب زنى العين فهي آثمة.
فدلّ ذلك على أن العبرة في هذا الباب ليست بالنية المجردة، وإنما بما يترتب على الفعل من مفسدة ظاهرة، والشرع إنما جاء بسد الذرائع المفضية إلى الفتنة، لا بربط الأحكام بما يخفى من المقاصد والنيات.
وعليه، فحمل اللام على التعليل المقصود قصديًّا تخصيص بغير مخصص، وردٌّ للنصوص المحكمة، وهو مسلك غير معتبر عند أهل الأصول.
والقول بأن التحريم مشروط بقصد المرأة إغراء الرجال قول غير منضبط؛ لأن الفتنة قد تحصل ولو بلا قصد، ولأن الشرع جاء بسد الذرائع واعتبار المآلات والآثار، لا الاقتصار على النيات الخفية.
ثالثًا: حديث “وليخرجن وهن تفلات” ليس خاصًّا بالمسجد
جاء في الحديث الصحيح: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلات” رواه أبو داود، وهو حديث حسن.
وقد قال المتكلم: إن هذا النهي خاص بالخروج إلى المسجد فحسب، أما غيره فلا يدخل فيه.
وهذا فهم معكوس؛ لأن المسجد موضع عبادة وسكينة، فإذا نُهيت المرأة عن التطيّب في المساجد، كان النهي في مواضع الاختلاط والأسواق أولى وأحرى.
وهذا من دلالة التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو أصل معتبر عند الأصوليين.
رابعًا: حديث عائشة في المسك لا يدل على الإباحة المطلقة
استدلّ المتكلم بحديث عائشة رضي الله عنها في تطيّب النساء بالمسك في السفر مع النبي ﷺ.
تقول عائشة رضي الله عنها: “كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٍ، فَنَضْمِدُ جِبَاهَنَا بِالْسُّكِ الْمُطَيَّبِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا” رواه أبو داود بإسناد حسن.
واللفظ الوارد عن عائشة رضي الله عنها: “بالسُّكّ المُطيَّب”، لا (بالمسك المطيب)، والسُّكّ: طيبٌ مركّب قد يكون فيه مسك، لكنه أعمّ منه، فالتعبير بالمسك تصرّف من المتكلم.
والجواب عنه من وجوه:
١. أن هذا الطيب كان قبل الإحرام، وهو مشروع للرجال والنساء باتفاق.
٢. والطيب المذكور في حديث عائشة لم يكن من الطيب المفوح الرائحة، بل هو طيب النساء وهو مما يُرى أثره ولا تظهر رائحته، قال النبي صلى الله عليه “طِيبُ الرجالِ ما ظهر ريحُه وخفي لونُه، وطيبُ النساءِ، ما ظهر لونُه وخفيَ ريحُه” رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو صحيح، وجاء مصرحا بنوعه في رواية أبي يعلى: “تضمخنا بالزعفران والورْس…”؛ وكلاهما نبات له رائحة ضعيفة ويستعملان للصبغ أكثر منه للتطيب، وهذا يدل على أن المقصود لم يكن إشامته للرجال، بل أثر موضعي في سياق عبادة وستر، فلا يصح بحال قياسه على العطور النفاذة المعاصرة.
فقياس هذا على خروج المرأة متعطرة في الأسواق والمجامع قياس مع الفارق.
٣. ولو فرضنا أن الطيب المستعمل من النساء قبيل الإحرام مما له رائحة، فنساء الصحابة كنّ مستترات محتجبات، لا يخالطن الرجال، وخاصة في طريق السفر، فلا تضع الواحدة منهن ما تخالف فيه هدي نبيها صلى الله عليه وسلم مما يفتن الرجال بطيب ريح عطرها.
خامسًا: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ والسِّخَاب، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.
والحديث في الصحيحين بألفاظ متعددة، والسخاب: هو قلادة -عقد- تتخذها نساء العرب من القرنفل والخرز، وتلبسها النساء اللواتي لا يجدن الذهب.
واستدل المتكلم به على أن “السخاب” له رائحة وأن النساء تصدقن به وألقينه في ثوب بلال!
ونقول له: صدقت في أن الصخاب -بالسين والصاد- مصنوع من قرنفل، وأخطأت في القياس؛ فرائحة القرنفل اليابس في الرقبة لا يقاس عليها الروائح الكحولية الطيارة التي صُنعت خصيصا لتملأ المكان وتلفت الأنظار، والشارع الحكيم فرق بين ما ريحه خفي كالطيب في الجسد المستور، وبين ما ريحه متعدّ كالبخور وعطر الرش.
سادسًا: تقييد النهي بصلاة العشاء أو بالليل غير صحيح
جاء في بعض الأحاديث ذكر صلاة العشاء، كحديث أبي هريرة في صحيح مسلم “أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَة” ففهم المتكلم منه أن النهي خاص بالليل.
وهذا غير لازم؛ لأن ذكر العشاء ورد في بعض الوقائع، ولا يقيّد الحكم العام الوارد في غيرها.
قال المناوي -رحمه الله-:
وتخصيص العشاء ليس لإخراج غيرها، بل لأن تطيب النساء إنما يكون غالبا في أول الليل.
” فيض القدير”.
وقد جاءت نصوص أخرى مطلقة في النهي دون تقييد بوقت.
والعلة، وهي الفتنة بالرائحة، لا تختص بليل دون نهار، بل قد تكون في النهار أشد.
سابعاً: الخلاصة:
١. النصوص الواردة في منع خروج المرأة متطيبة صحيحة وصريحة.
٢. والتفريق بين أنواع العطر أو كميته أو موضع الخروج تفريق لا دليل عليه.
٣. والأحاديث التي استُدلّ بها على الإباحة إما خاصة بسياقها، أو محمولة على ما قبل الإحرام، أو منزوعة عن محل النزاع.
٤. فالواجب ردّ هذه المسألة إلى أصولها المحكمة، دون تحميل النصوص ما لا تحتمل، أو تتبع رخص لا تستقيم مع مجموع الشريعة.
٥. قالت المذيعة-وأيدها المتكلم-: تعطرت في بيتها وخرجت منه وركبت سيارتها وستزور صديقتها:لا توجد مشكلة!
سبحان الله! ولن تمر على رجل واحد في طريقها هذا كله؟! هل تعيش هذه المرأة في “كوكب النساء” ؟
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٦/ ١/ ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة