الجواب عن مسألة شراء الذهب بالنقد
السؤال
ما تعليقكم على ما جاء في كلام الشيخ موسى آل عبد الرحمن حفظه الله في المقطع المرفق؟
الجواب
الحمد لله
أولا: الأخطاء في كلام الشيخ حفظه الله مجملا
١. هذا الكلام فيه خلط بين بيع الذهب بالذهب وبيعه بالنقود.
٢. “ربا الفضل” لا يكون إلا مع اتحاد الجنس، والنقود ليست ذهبًا لا حقيقة ولا حكما.
٣. الأوراق النقدية اليوم ليست “سندات مغطاة بالذهب” كما كانت قديما، بل هي “أثمان مستقلة بذاتها” لها حكم النقد القائم بنفسه، فالدينار ليس ذهبا، والدولار ليس ذهبا، ومعاملة الورق النقدي معاملة الذهب في شرط التماثل هو الذي أوقع الشيخ في حكمه أن المسألة “ربا”.
٤. “حديث خيبر” في بيع ذهب بذهب، لا في بيع ذهب بنقود.
٥. شراء الذهب المصوغ بفصوص جائز، وما قد يقع من غبن أو تدليس مسألة تجارية لا ربوية.
ثانيا: النظر في أخطاء الكلام في المقطع تفصيلا
١. تعريف “ربا الفضل -الزيادة-” و “ربا النسيئة -التأخير-” بوضوح واختصار:
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله – ﷺ -: “الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد”. رواه مسلم.
فالأصناف الستة التي وردت في الحديث هي أموال ربوية.
والعلماء يقسمون الأموال الربوية الستة إلى فئتين:
الفئة الأولى: الذهب والفضة.
الفئة الثانية: البر والشعير والتمر والملح.
وسبب التقسيم: أن الفئة الأولى علتها متحدة، تختلف عن علة الفئة الثانية، فصار مرد التقسيم إلى اختلاف العلة.
فإذا وقع البيع بين الفئة الأولى والفئة الثانية، انتفى ربا الفضل وربا النسيئة لاختلاف العلة، فجائز التفاضل والتأجيل، مع أن كلا البدلين ربويان، فإذا بيع الذهب بالقمح أو بيع التمر بالفضة فقد اختلف الجنس واختلفت العلة، فجاز التفاضل (الزيادة) وجاز النَّساء (التأخير) ، فيجوز أن يعجل القمح ويؤجل الذهب، ليكون الثمن مؤجلًا، ويجوز أن يعجل الذهب ويؤجل القمح ليكون البيع من قبيل السلم، وهذا إجماع لا خلاف فيه.
وإذا وقع البيع بين أموال الفئة الواحدة، فإن كانا من جنس واحد، كذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو تمر بتمر، أو حنطة بمثلها: فيجب أن يتحقق شرطان:
الأول: التماثل.
والثاني: التقابض.
وإن كانت الأموال ذات الفئة الواحدة من جنسين مختلفين: كذهب بفضة، أو بر بشعير، فالجنس مختلف، والعلة واحدة، فلا يجري بينهما ربا الفضل، فلا يشترط التماثل لاختلاف الجنس.
ويجري بينهما ربا النسيئة؛ لاتفاقهما في العلة، فلا يجوز تأجيل أحدهما، فلا بد من التقابض في مجلس العقد، امتثالًا لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
باختصار وتحرير يسير من “المعاملات المالية أصالة ومعاصرة” الشيخ دبيان الدبيان.
٢. “ربا الفضل”: لا يكون إلا عند اتحاد الجنس.
فمن أراد مبادلة ذهب بذهب فيشترط: التماثل في الوزن، والتقابض في المجلس.
أما الذهب مع النقود: ففيه اختلاف الجنس، فلا يشترط فيه التماثل.
والشيخ حفظه الله قال: “أنت مصاريك عبارة عن قيمة الذهب، عم تشتري فيها ذهب”! وهذا محل نظر فقهي، والصواب خلافه، فالنقود -ورقية أو معدنية- ليست ذهبًا، لا جنسا، ولا حقيقة، ولا حكما، بل هي أثمان اعتبارية، كما هو الاصطلاح الفقهي المعاصر.
فالبيع هنا ليس ذهبا بذهب، بل: ذهب بنقود، ولا مجال – أصلا- لربا الفضل.
٣. استدلال الشيخ حفظه الله بحديث خيبر في غير موضعه:
نص الواقعة:
روى الإمام مسلم أن الصحابة في “خيبر” غنموا من اليهود ذهبا مخلوطا بخرز، فأمرهم النبي ﷺ أن يفصلوا الذهب، ثم يبيعوا الذهب بالذهب”.
ولماذا أمرهم النبي ﷺ بذلك؟ لأن المعاملة كانت: ذهب مختلط مقابل ذهب،
وهنا حصل اتحاد الجنس، مع عدم تحقق التماثل، فيقع “ربا الفضل”.
والشيخ أسقط الحديث في غير مكانه، أو كان قياسه مع الفارق الكبير.
٤. نحن اليوم لا نشتري الذهب بذهب، بل نشتريه بـ”أوراق نقدية” -دينار أردني، دولار، إلخ-، والقاعدة: الذهب والورق النقدي جنسان مختلفان، فالذهب له علة الوزن مع الثمنية، والنقد الورقي علته الثمنية فقط، والحكم: إذا اختلف الجنس -نقد مقابل ذهب-: سقط شرط “التماثل”، وبقي شرط واحد فقط وهو “التقابض” يدًا بيد.
وعليه: يجوز شرعا أن تشتري خاتما فيه ذهب وفصوص بـأوراق نقدية حتى لو كان وزن الذهب أقل مما يقابله من المال، لأن شرط التساوي غير مطلوب أصلا هنا، فلا يوجد “ربا فضل” في هذه الصورة مطلقا.
٥. وقد أدخل الشيخ حفظه الله الغبن التجاري بالربا، فقول الشيخ: “لما تبيعه بيكون غبنك وغشك”: فهذا -إن صح- فهو غبن، أو تدليس تجاري، لا علاقة له الربا، فالربا: فساد في أصل العقد، والغبن: ظلم في الثمن، والتدليس: إخفاء عيب أو شرط، والخلط بينها خطأ أصولي.
والله أعلم
٢٩ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٨/ ١/ ٢٠٢٦


