حكم الدعاء بعبارة “لا أصلح للفقر ولا يصلح لي”
السؤال
بعض الناس يقول في دعائه “اللهم إني لا أصلح للفقر ولا يصلح الفقر لي” فما هو التعليق العلمي على هذه الجملة؟
الجواب
الحمد لله
هذه العبارة “اللهم إني لا أصلح للفقر ولا يصلح الفقر لي” هي من العبارات التي لا ينبغي للمسلم أن يدعو بها، وذلك لعدة مآخذ علمية وشرعية، ومنها:
١. فيها نوع من تزكية النفس، والاعتراض الخفي على حكمة الله تعالى، فالمسلم لا يدري أين الخيار له، فقد يكون الفقر خَيْرا له في دينه من الغنى، كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة/ ٢١٦.
٢. هذه الجملة فيها سوء أدب مع الله عز وجل، وكأن العبد يملي على ربه ما يصلح له وما لا يصلح، والله سبحانه هو الخالق المدبر الذي يعلم أحوال عباده وما يصلحهم.
وقد ورد في أثر إلهي –وإن كان ضعيف الإسناد إلا أن معناه صحيح-: “إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ“.
والله تعالى يعلم ما يصلح قلوب عباده ودينهم، فمن الناس من يكون الغنى أنفع له، ولو افتقر لفسد حاله وتسخط على ربه، ومنهم من يكون الفقر أنفع له، ولو استغنى لطغى وتكبر.
فالمدار في ذلك على علم الله المحيط بما يصلح كل نفس، وهو ما يوجب على العبد الرضا والتسليم.
٣. السنة النبوية فيها الغنية والكفاية، فقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من الفقر بصيغ جامعة مانعة خالية من الاعتراض، كقوله في الدعاء:”اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ” رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن، وقوله:” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ” متفق عليه.
لذلك، ينصح بترك هذه العبارة المحدثة، والاكتفاء بالأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع تفويض الأمر لله تعالى والرضا بما يقسمه، وسؤاله الغنى والفضل من غير اشتراط أو ادعاء لمعرفة ما يصلح للنفس.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٣ شوال ١٤٤٧ هـ – ١ / ٤ / ٢٠٢٦ م
تعقيب:
هل دعاء سعد بن عبادة اللَّهُمَّ لَا يُصْلِحُنِي الْقَلِيلُ وَلَا أَصْلُحُ عَلَيْهِ” يخالف ماةقررناه من المنع من دعاء “لا أصلح للفقر ولا يصلح الفقر لي”؟
السؤال:
أورد بعض المتابعين الأفاضل تَعْلِيقًا على المنع من دعاء اللهم إني لا أصلح للفقر ولا يصلح الفقر لي بقوله: وماذا عن دعاء سعد بن عبادة “اللهم لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه”؟.
الجواب:
الحمد لله
أولًا: من حيث السند:
الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في” المصنف”، والحاكم في “المستدرك”، والبيهقي في “شُعب الإيمان”، من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، أن سعد بن عبادة كان يدعو: [اللَّهُمَّ هَبْ لِي حَمْدًا، وَهَبْ لِي مَجْدًا، لَا مَجْدَ إِلَّا بِفَعَالٍ، وَلَا فَعَالَ إِلَّا بِمَالٍ، اللَّهُمَّ لَا يُصْلِحُنِي الْقَلِيلُ، وَلَا أَصْلُحُ عَلَيْهِ].
وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع؛ لأن التابعي الجليل عروة بن الزبير لم يدرك سعد بن عبادة رضي الله عنه الذي توفي في بدايات خلافة عمر رضي الله عنه.
ومع ذلك، فالأثر مشهور، وقد أدرك عروة ابنه قيس بن سعد ورأى جوده الذي ورثه عن أبيه، ولذلك قبله أهل العلم وحسنه بعضهم لغيره؛ كونه يروي واقعة تاريخية وسيرة متواترة عن بيت سعد المشهور بالجود.
ثانيًا: من حيث المتن وتوجيه المعنى:
الناظر في دعاء سعد رضي الله عنه يجد أنه مقترن بعلة عظيمة ومقصد شرعي نبيل، فهو لم يطلب المال لحظ نفسه أو لشهوة الدنيا، بل نص على المقصد قَائِلًا: [لَا مَجْدَ إِلَّا بِفَعَالٍ، وَلَا فَعَالَ إِلَّا بِمَالٍ].
فقد كان رضي الله عنه سيد الخزرج، وكان بيته مأوى للضيوف والفقراء، حتى إنه كان يرجع كل ليلة بثمانين من أهل الصفة يعشيهم، وكانت جفنته تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث دار.
فهو يعلم من نفسه أن ما حباه الله من طبع الجود وإطعام الطعام وكفالة المحتاجين يحتاج إلى سعة في الرزق، فدعا الله بما يتناسب مع هذا الباب العظيم من أبواب الخير الذي فُتح له ليعين به الإسلام وأهله.
ثالثًا: المقارنة مع العبارة المنتشرة اليوم:
هناك فرق شاسع بين دعاء سعد رضي الله عنه، وبين من يدعو اليوم قَائِلًا: “اللهم إني لا أصلح للفقر ولا يصلح الفقر لي”، وذلك من وجوه:
أ. دعاء سعد رضي الله عنه مُعَلَّل بطلب المعالي والإنفاق في سبيل الله، بينما العبارة المنتشرة اليوم غَالِبًا ما تصدر عن جزع، أو خوف من ضيق الدنيا، أو عدم رضا بالحال.
ب. العبارة المنتشرة فيها نوع من التزكية للنفس والتدخل في حكمة الله، وكأن العبد يقرر لله ما يصلح له وما لا يصلح! والله تعالى يقول: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة/ ٢١٦.
ج. لا يصح أن نقيس أحوالنا وضعفنا ونياتنا المدخولة على حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبارهم كسعد بن عبادة الذي سخّر ماله كله لله ولرسوله.
رابعًا: الخاتمة:
الأثر ثابت من حيث الجملة عن سعد رضي الله عنه، ومتنه يحمل دلالة على علو همته في طلب المال لينفقه في مرضاة الله، ولا يصح جعله ذَرِيعَةً لتسويغ عبارات محدثة فيها سوء أدب مع الله تعالى أو اعتراض خفي على أقداره.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٤ شوال ١٤٤٧ هـ – ٢ نيسان ٢٠٢٦ م


