جدي الحبيب: هلا حدثتنا بقصة قبل النوم بما يشبه ما في كتاب “كليلة ودمنة” ؟

السؤال

جدي الحبيب: هلا حدثتنا بقصة قبل النوم بما يشبه ما في كتاب “كليلة ودمنة” ؟

الجواب

أبشر يا حفيدي الحبيب:
زعموا أنه كان في قديم الزمان غابة واسعة الأطراف، فيها طوائف شتى من الحيوان.
وكان في أطراف الغابة قطيع من “الأيائل”، ابتليت بمدافعة قطيع من “الخنازير البرية” المفسدة التي اغتصبت مراعيها.
وفي الجانب الشرقي من الغابة، كان يعيش “دب أسود” عظيم المكر، قد أهلك من قبل حيوانات الغابات المجاورة، فافترس أرانبها، ومزق شياهها، وشرد طيورها؛ لغرض التوسع وبسط النفوذ.
فلما رأى الدب الأسود قتال الأيائل للخنازير، أرسل للأيائل بعض المخالب والأنياب ليعينهم، لا حبا فيهم، بل ليجعل له موطئ قدم في مراعيهم، وليشغل الخنازير عن حدوده.
اغتر قادة الأيائل بفعل الدب، فصاروا يثنون عليه في مجامع الغابة، ويصفون كبير دِبَبتِهم بأنه “الكبير والبطل والمرجع”، وتناسوا دماء الشياه والأرانب التي سفكها الدب وإخوته.
وكان في الغابة طائر حر حكيم يقال له “بصير”، يرى ما وراء الأكمة، فقام ناصحا ومحذرا، وصاح بأعلى صوته: يا معشر الحيوان، ويا قطيع الأيائل! إن صراعكم مع الخنازير حق، ولكن الركون إلى الدب الأسود مهلكة، فكيف تمدحون من سفك دماء إخوانكم في الغابات المجاورة؟ وكيف تأمنون مكره وهو إنما يبتغي التوسع على حسابكم؟
وما إن أتم الطائر الحكيم كلامه، حتى انتفضت طوائف من الحيوانات المترفة التي تسكن “الواحات الشرقية” بعيدا عن بطش الدب، وصاحوا بالطائر بصير: اسكت أيها المخذل! أنت تقف ضد مدافعة الأيائل! يجب السكوت الآن عن أخطاء الأيائل وتأويل فعلهم لأنهم يقاتلون الخنازير! وقاطعوا الطائر الحكيم، ونبذوه، ورموه بأبشع التهم.
ودارت الأيام دورتها، واغتر الدب بتمكنه، فمد مخالبه نحو “الواحات الشرقية” التي تسكنها تلك الحيوانات المترفة، وألقى عليهم حمما من نار، فاحترقت بعض أشجارهم، وأصابهم الذعر.
وفي خضم ذلك، خرج المتحدث الجديد باسم الأيائل، فنعى قتلى الدب، وأثنى على كبيرهم مجددا ووصفه بأوصاف عظيمة! حتى إنه قال عنه -بعد هلاكه- “شهيد”! فقال له “بصير”: كيف تصفه بأنه شهيد وهو حيوان؟! قال “إنه شهيد المراعي”!
هنا، انقلبت حيوانات “الواحات الشرقية” رأسا على عقب، وهاجوا وماجوا، وصاروا يلعنون الأيائل، ويتهمونها بالخيانة والعمالة للدب، وطعنوا فيها أشد الطعن؛ لأن نار الدب وصلت إلى ديارهم!
فوقف الطائر الحكيم “بصير” على غصن مرتفع، ونظر إليهم متعجبا، وقال كلمته التي خلدتها الغابة:
عجبا لكم! لما افترس الدب جيراننا، وبررت الأيائل فعله، خرستم بل وهاجمتموني حين حذرتكم! والآن لما مست النارُ أطرافَ ثيابكم، أبصرتم الحقيقة التي كنت أحدثكم عنها بالأمس؟! من لم يغضب لدماء المظلومين في كل مكان، لا ينبغي له أن يتباكى إذا وصله لهيب الظلم.
انتهت القصة.
ونام الحفيد نومة هنيئة.
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٠ شوال ١٤٤٧ – ٨ أبريل ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة