تعقّبٌ تاريخي دقيق على الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” .

السؤال

أرسل أحد الإخوة الفضلاء استشكالًا تاريخيّا دقيقا، وهو أن الحافظ ابن حجر قال في “فتح الباري” وهو يتحدث عن حادثة تحويل القبلة: “والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلِمة لما مات بشر بن البراء بن مَعْرُور الظهر”.

وقد أشكل عليّ هذا؛ لأن “تحويل القبلة” كان في السنة الثانية، بينما “بشر بن البراء” توفي متأثرا بالشاة المسمومة في خيبر في السنة السابعة للهجرة! فكيف يستقيم هذا؟

الجواب

الحمد لله

هذا وهمٌ وسَبْقُ قلمٍ واضح وقع فيه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في ذلك الموضع.

وإليك أدلة هذا التحقيق:

أولًا: الدليل من المصدر الأصلي للقصة:

بالرجوع إلى كتاب” الطبقات الكبرى” لابن سعد (١/ ٢٤٢)، نجد الرواية الأصلية كما يلي : “أن رسول الله ﷺ زار (أُمَّ) بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما، وحانت الظهر، فصلى رسول الله… ثم أمر أن يوجه إِلى الكعبة”.

فالحافظ ابن حجر أراد أن يكتب: “لما زار أُمَّ بشر”، ولكن لانتقال الذهن، سبق قلمه، فتصحفت العبارة إلى “مات بشر”!

ثانيا: الدليل القاطع، ابن حجر يرد على نفسه!:

ومما يؤكد يقينا أنه مجرد سبق قلم وليس قناعة من الحافظ؛ أن ابن حجر نفسه ذكر في موضع آخر من” فتح الباري” قائمةً بمن مات قبل تحويل القبلة فقال:

“الذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس… ومن الأنصار بالمدينة البراء بن معرور وأسعد بن زرارة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم”.

انتهى.

 

فانظر كيف ذكر الأب “البراء بن معرور” ولم يذكر الابن (بشرًا)! وهذا إقرار صريح منه بأن بشرًا لم يمت في ذلك الوقت.

وأقول:

هذا الموضع من الأوهام التي تقع لكبار العلماء نتيجة سعة الحفظ وانتقال الذهن، ولا يُنقص من قدر الحافظ ابن حجر شيئا، بل يؤكد أن العصمة لكتاب الله وحده.

شكر الله لأخينا السائل ومن استشكل هذا.

والله أعلم.

✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.

٢١ رمضان ١٤٤٧ هـ، ١١/ ٣/ ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة