قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرات (لا تعدل ختمة) لا جزاء ولا إجزاء.

السؤال

يقول كثيرٌ من الوعاظ والمشايخ: مَن قرأ سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرات فكأنما قرأ “ختمة” كاملة للقرآن، فهل هذا القول دقيقٌ شرعًا؟ وهل تُجزئ قراءتها ثلاثًا عمن حلف يمينًا أو نذر أن يقرأ القرآن كاملًا؟

الجواب

الحمد لله.

هذا القول المنتشر غير دقيق ولا هو محقّق، ويحتاج إلى تحرير؛ فالصواب أن قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرات لا تُعدل ختمة للقرآن، لا في الجزاء والثواب، ولا في الإجزاء والإغناء، ولو قرأها أكثر من مائتي مرة! كما قال الإمام إسحاق بن راهويه.

صحيحٌ أن النبي ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: أنها تعدل قراءة ثلث القرآن، ونص على القراءة تحديدا كما في روايات مسلم، ومنها:

١. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” احْشُدُوا ؛ فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ “. فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : “إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ : سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ”. رواه مسلم

“احشدوا”: أي: اجتمعوا واستحضروا الناس.

٢. وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : “أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ ” قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ “.

ولكن -مع هذا- لم يَرِدْ عنه أبدًا أن من قرأها ثلاثًا كمن قرأ ختمة!

ولأن مخالفة الشائع تحتاج إلى أدلة قاطعة، إليكم البيان العلمي الذي ينفي بشدة مساواتها للختمة:

أولًا: النفي الصريح لتساويها مع الختمة:

كلام الإمام إسحاق بن راهويه:

وهو من كبار أئمة السلف، وقد حسم هذه المسألة نصّا.

قال إسحاق بن منصور: سألت إسحاق بن راهويه عن هذا الحديث فقال لي:

“معناه: أن الله جعل لكلامه فضلاً على سائر الكلام… تحريضًا منه ﷺ على تعليمه وكثرة قراءته، وليس معناه: أنه لو قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرات كان كأنه قرأ القرآن كله، ولو قرأها أكثر من مائتي مرة!”.

“الجامع لعلوم الإمام أحمد” (١٣/ ٤١١).

فالسورة تعدل ثلث الصفات، وقراءتها ثلاث مرات تعني أنك قرأت الثلث الأول ثلاث مرات، ولم تقرأ الثلثيْن الباقييْن!

وتقسيم القرآن في مواضيعه لثلاثة أجزاء وأقسام جاء نصا عن النبي صلى الله عليه، في حديث رواه مسلم، قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : “إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ “.

والعلماء قالوا عن هذه الأجزاء: أنها حديث عن الخالق عز وجل في ثلثه، وحديث عن المخلوق في ثلثه الثاني، وحديث عن الأحكام الشرعية في ثلثه الثالث.

ففي”فتح الباري”:

حمله بعض العلماء على ظاهره فقال: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام، وأخبار، وتوحيد، وقد اشتملت هي على الثالث فكانت ثلثا بهذا الاعتبار.

انتهى.

وعليه: فمن قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إنما يكون قد قرأ جزءًا واحدا من هذه الأجزاء الثلاثة، أجرا وثوابا، وفضل الله واسع وعظيم.

ثانيًا: التشكيك العلمي في إلزام الختمة:

أشار الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى الخلل في زعم أن التكرار يساوي ختمة، فقال متعقبًا: “وإذا حُمل ذلك على ظاهره… فيه نظر؛ ويلزم عليه أن من قرأها ثلاثًا كان كمن قرأ ختمة كاملة”.

فأورد هذا الإلزام بصيغة الاستبعاد، كما يظهر.

ثالثًا: الإجماع على عدم مساواة الأجر:

وليس القصد تحقيق ثبوت الإجماع، وإنما المراد أن هذا النفي معروف مشتهر ، وهو قول كثيرين، ويكفي لإثبات الكثرة وجود نقل للإجماع فيها.

قال ابن رشد الجد المالكي:

سئل مالك: عمن قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرارًا في ركعة واحدة؟ فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور.

قال ابن رشد: كره مالك ذلك لئلا يعتقد أن أجر من قرأ: قل هو الله أحد ثلاث مرَّات كأجر من قرأ القرآن كله، بتأويل ما رُوي عن النبي ﷺ: من أنها تعدل ثلث القرآن إذ ليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، فإنهم أجمعوا على أن من قرأ: قل هو الله أحد ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا الليل وقام فيه بالقرآن كله.

“البيان والتحصيل” (١/ ٣٧١).

وقد ذكر ابن عاشور المفسر الأقوال في معنى حديث “تعدل ثلث القرآن” وقال:

التأويل الرابع: أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب… ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة.

انتهى.

ونقل كلام ابن رشد، واعترض على الإجماع بقوله إنه يوجد نص بأن تكرارها ثلاثا بقراءة ختمة!

وهذا النص المشار له في الاعتراض لا وجود له في الروايات الصحيحة، وللفائدة فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حديثا في ذلك، ونصه: “مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ”! وهو حديث ضعيف جدا، بل باطل، وقد تعجب الشيخ الألباني من نقل ابن تيمية لهذا الحديث مشيرا لصحته فقال بعد تخريحه وتضعيفه جدا:

“فلا أدري كيف جزم شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لفظ من ألفاظ الحديث – يعني: الصحيح -؟! انظر كتابه: “جواب أهل الإيمان في أن {قُلْ هُو الله أحَدٌ} تعدل ثلث القرآن”، وهو مطبوع في مصر والشام وغيرها، وهو في أول المجلد السابع عشر من “مجموعة الفتاوى”.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة” (٤٦٣٤).

وإنما نقلت كلام ابن عاشور المالكي لأبين أن معنى كلام ابن رشد ليس عن قراءة سورة الإخلاص في الصلاة، بل هو عام في فهم النص، وهو يوافق كلام إسحاق بن راهويه.

رابعا: القرآن الكريم ينقسم مَوْضُوعِيًّا إلى ثلاثة أثلاث: توحيد، وأحكام، وقصص، وسورة الإخلاص أُخلصت للحديث عن التوحيد وصفات الخالق جل وعلا، فكانت بذلك ثُلُثًا، فمن كرر قراءتها فهو بمنزلة من يكرر الآية نفسها، فله أجر قراءة الآية لا أجر قراءة غيرها، فمن كرر قراءتها فهو بمنزلة من يكرر قراءة الثلث المتعلق بالتوحيد والحديث عن الخالق جل وعلا ولو كررها ألف مرة.

فلو قررنا أن قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات -أي: تكرار ثلث التوحيد- يساوي تَمَامًا فضل وأجر قراءة القرآن كَامِلًا -الذي يضم الأثلاث الثلاثة-، للزم من ذلك أن يكون ثلثا الأحكام والقصص مساوييْن في الفضل والمكانة لثلث التوحيد.

وهذا اللازم باطل؛ لأن العلماء متفقون على أن الآيات والسور التي تتحدث عن الخالق جل جلاله وأسمائه وصفاته، أعظم فَضْلًا وأَجْرًا من الآيات التي تتحدث عن المخلوقات والأحكام، فكيف يساوى الأعلى بالأدنى؟.

خامسا: الفرق بين الجزاء والإجزاء:

يخطئ كثيرون حين يظنون أن مسألة سورة الإخلاص تتعلق بالفرق بين “الجزاء” (الثواب) و”الإجزاء” (إسقاط الواجب كالنذر)، فيقولون: هي تعدل ختمة في الجزاء ولا تُجزئ عن ختمة النذر.

والصواب الذي بيّناه: أنها لا تعدل ختمة لا في الجزاء ولا في الإجزاء! وتمثيلهم بها غير دقيق، بخلاف أمثلتهم الأخرى الصحيحة كقول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له مئة مرة) التي ثبت شرعًا أنها تعدل عتق أربع رقاب في الجزاء، لكنها لا تُجزئ عمن وجب عليه عتق رقبة كفارة.

فقراءة السورة فضلها عظيم (جزاءً)، وأنها تعدل قراءة ثلث القرآن، لكنه الثلث الخاص بالتوحيد وذكر صفات رب العالمين، لا باقي الثلثيْن الآخريْن. والقلوب تفتقر لقصص القرآن وأحكامه، ومن أراد أجر الختمة فعليه بقراءة المصحف من الدفتين.

والله أعلم.

✍️ كتبه:أبو طارق إحسان العتيبي.

٢٢ رمضان ١٤٤٧ هـ، ١١/ ٣/ ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة