(سؤال وتعقيب علمي مِن أحد المتابعين الفضلاء)
السؤال
السلام عليكم شيخنا، أسأل الله أن يجزيكم عنا خير الجزاء.
السؤال الأول: ذكر ابن رجب في شرحه على البخاري أن جميع المروي عن الصحابة تحريم مس المصحف بدون وضوء، فذكره عنهم إجماعا، فما تعليقكم على هذا؟
السؤال الثاني: ذكرتم خطأ نسبة مناظرة “العباس بن مشكويه” له، وذكرتم من حجج ذلك أنه ذكر فيها أمورا فقهية وهذا لا يصلح في معرض العقيدة، وأذكر أن الإمام سفيان الثوري في عقيدته، وابن أبي زيد القيرواني والإمام أحمد، يذكرون أمورا فقهية كالمسح على الخفين وغير ذلك في رسائل عقدية.
فالذي يظهر لي أن هذا ليس وجها من وجوه عدم نسبة العقيدة لابن مشكويه.
أحب أن تتعقبوا علي إن كان عندكم مأخذ على كلامي.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أخي الكريم، شكر الله لك أدبك، وبارك في حرصك ومتابعتك الدقيقة، وهذا تعقيب علمي نافع ومرحب به دَائِمًا.
الجواب عن السؤال الأول، “مس المصحف بدون وضوء ونقل الإجماع”:
نقل الحافظ ابن رجب رحمه الله في “فتح الباري” أن المنع هو المروي عن الصحابة، وأنه لم يصح عن أحد منهم خلافه. وتعقيبنا على هذا النقل من وجهين:
الوجه الأول: قول العالم المتبحر “لم يصح عنهم خلافه” أو ادعاء الإجماع الاستقرائي في مسألة فرعية، لا يغلق باب البحث ولا يعني دَائِمًا الإجماع القطعي المعصوم الذي يكفر أو يبدع مخالفه، فقد نازع في هذا الإجماع جماعة من أهل العلم، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يفيد جواز مسه للمحدث، وإن كان في إسناده مقال عند بعضهم، كما خالف في ذلك بعض التابعين كالشعبي، وإليه ذهب الظاهرية.
الوجه الثاني: هذه المسألة تتجاذبها أدلة محتملة، كقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الواقعة/ ٧٩، والتي رجح كثير من المحققين والمفسرين كابن تيمية وغيره أن الضمير فيها يعود على اللوح المحفوظ والملائكة، وليست نَصًّا صَرِيحًا قَاطِعًا في مصاحفنا.
وعليه؛ فالقول بمنع المحدث من مس المصحف هو قول الجماهير وهو الأحوط والأبرأ للذمة يَقِينًا، لكن التشنيع على المخالف أو إغلاق المسألة بدعوى الإجماع التام فيه نظر علمي، لاختلاف السلف في تصحيح الآثار الواردة، وللخلاف في دلالة الآية.
الجواب عن السؤال الثاني “إيراد الفقه في العقيدة ومناظرة ابن مشكويه”:
هذا تعقب متين جِدًّا منك، ويدل على سعة اطلاعك، وأنت مصيب فيه قَطْعًا من حيث التأصيل.
نعم؛ أدرج أئمة السلف كالإمام أحمد، والطحاوي، وابن أبي زيد القيرواني، مسائل فقهية في مصنفاتهم العقدية، كالمسح على الخفين، والجهر بالبسملة، والصلاة خلف الفاجر.
ولكن الخلل الذي قصدناه في “مناظرة العباس بن مشكويه” ليس في “مجرد إيراد المسائل الفقهية”، بل في “طريقة وسياق التوظيف الجدلي لها”. وبيان ذلك:
السلف أوردوا تلك المسائل الفقهية لتكون “شعارا” وعلامة فارقة تميز أهل السنة عن أهل البدع، كالمسح على الخفين مخالِفة للروافض، والصلاة خلف كل بر وفاجر مخالِفة للخوارج، فكان إيرادهم لها إيرادا “عقديّا تقريريّا” لبيان المنهج.
أما في المناظرة المنسوبة لابن مشكويه، فإن إيراد المسائل الفقهية لم يأت لتقرير أصل من أصول أهل السنة ضد المبتدعة، بل جاء في سياق “الجدل المذهبي” و”التفريع الفقهي” المحض “بين السنّة والسنّة”، والذي يعكس حالة التعصب المتأخرة بين المذاهب الفقهية.
هذا الأسلوب الجدلي التفريعي هو الذي نجزم بأنه لا يتناسب مع منهج السلف الأوائل في النقاش العقدي، وهو مما يؤكد تهافت نسبة هذه المناظرة، وأنها مصنوعة في عصور متأخرة طغى فيها التعصب المذهبي.
فملحظنا كان على طبيعة التوظيف الجدلي للمسألة، وليس على مجرد نوعها.
نكرر شكرنا لك، ونسأل الله أن يزيدك فقهًا وعِلْمًا، وأن ينفعنا بمدارستك وتعقباتك التي تزيد المسائل وُضُوحًا وبَيَانًا.
وفقك الله لكل خير.

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.
٢٤ رمضان ١٤٤٧ هـ، ١٢/ ٣/ ٢٠٢٦


