ضوابط الإشهاد على علم الله في الأيمان والمباهلات.

السؤال

ما حكم قول القائل في الأيمان أو المباهلة: (أُشهد الله أنه يعلم كذا وكذا)؟ وما وجه الخلل الشرعي فيها؟

الجواب

الجواب:
الحمد لله
هذه العبارة، بحسب ما تحمله من مضمون، قد تكون جرأة على الله جل جلاله وتألِّيًا عليه، ويحتاج الحكم عليها إلى تفصيل دقيق، فليست كل صور “الإشهاد” على علم الله سواء، وبيان ذلك في أمور:
أولًا:
١. قد يُظن أن استشهاد العبد ربَّه على أمرٍ هو أعلم به من العبد نفسه فيه إيهام بإخبار الله بما لا يعلم، وهذا فهم غير دقيق. فالإشهاد في اللغة والشرع ليس مقصورًا على إخبار من لا يعلم، بل هو استدعاء الشاهد الأعظم للتوكيد والتوثيق، ولو كان عالمًا بالأمر يقينًا قبل الاستشهاد.
والدليل على مشروعية ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال للناس في خطبته: “ألا هل بلغتُ؟” فقالوا: نعم، قال: “اللهم فاشهد”.
فهذا استشهاد صريح لله على أمر هو سبحانه أعلم به من كل أحد، ومع ذلك لم يكن في ذلك سوء أدب، بل هو من أبلغ صيغ التوثيق والتأكيد، لأن شهادة الله أصدق شهادة وأعظمها وزنًا، كما قال تعالى: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (النساء/ ٧٩.
٢. فمن قال في يمينه: “أشهد الله أني صادق فيما أقول”، أو “أشهد الله أني لم أفعل كذا”، فهذا من جنس ما ورد به الشرع، ولا حرج فيه.
٣. فإذا حلف المسلم بهذه الصيغة وهو يعلم أنه كاذب -أو حتى وهو غير متيقن يقينًا جازمًا بل ظانّ فحسب- فيما أقسم عليه: فهذه من أعظم الكبائر، وتسمى في الفقه “اليمين الغَمُوس”، سُميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عدُّه إياها من الكبائر ضمن السبع الموبقات.
٤. فالصيغة صحيحة من حيث الجواز الشرعي، لكنها لا تُبرئ ذمة الكاذب ولا تخفف من إثمه، بل تزيده إثمًا آخر فوق كذبه، وهو استشهاده الكاذب بالله عز وجل على باطل، فيجتمع عليه إثم الكذب وإثم اليمين الغموس معًا.
٥. والاختراق والحصول على بيانات الآخرين بغير إذنهم من كبائر الذنوب، ففيه آثام التجسس، والسرقة، والاعتداء على حرمة الناس.
٦. واستعمال هذه المادة أصلاً –قبل الحديث عن اليمين– محرم، والحلف على “صحتها” لا يُشرعن طريقة الحصول عليها، بل قد يكون توظيفًا لليمين في خدمة آثام أخرى، مثل نشر ما حرم الله نشره، وهتك ستر، وربما غيبة أو بهتان بحسب مضمون التسريبات.
٧. وحتى لو صحّت المادة المسربة، فالحلف على “حقيقتها” بقصد فضح الطرف الآخر أو إلحاق الأذى به: يدخل في باب الإعانة على الإشاعة والفاحشة، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} النور/ ١٩.
ثانيًا:
الإشكال الشرعي المعتبر لا يكمن في أصل استشهاد الله على العلم، بل في مضمون ما يُستشهَد عليه، إذا كان هذا المضمون جزمًا بأمر غيبي متعلق بباطن غيره، لا بحال المتكلم نفسه.
فحين يقول القائل في المباهلات المعاصرة: “أشهد الله أنه يعلم أن فلانًا كافر”، أو “أشهد الله أنه يعلم أن فلانًا كاذب مبتدع”، فهذا ليس استشهادًا على أمرٍ يخص المتكلم أو نيته، بل هو جزم بحكم غيبي باطن في حق شخص معين، وهذا هو موضع “الجرأة على الله” الحقيقي، لأمرين:
١. أن حقائق البواطن كفرًا كان أو نفاقًا أو صدق نية مما استأثر الله بعلمه، ولا يُطَّلع عليها إلا بموجب شرعي ظاهر يحكم به على الظاهر لا على الباطن المغيَّب.
٢. أن جعل هذا الغيب “معلومًا لله بصيغة الجزم القاطع” على لسان المتكلم، إنما هو في حقيقته تقرير المتكلم لعلمه هو بحال خصمه، ثم إلباس هذا التقرير لباس “شهادة الله”، وهذا افتراء على مقام الربوبية واستخدام لاسم الله في تزكية دعوى شخصية لا دليل قاطعًا عليها.
وهذا هو ما نبّه عليه الشيخ عبد العزيز الحربي حفظه الله حيث قال -مبيِّنًا ضلال هذه الصيغة وحكمها-:
“الحاصل أن إسناد العلم إلى الله في هذا والجزم به من الضلال المبين، والافتراء على رب العالمين، والخطأ حاصل من الفريقين.
ولو قال كل فريق: اللهم إني أشهدك إن كان فلان كافرا أو كان فلان مبتدعا…. لكان أهون، وكذلك لو قال: اللهم إنك تعلم أنني أعتقد أن فلانا كذا وكذا.. فإن كان ما أقوله ليس بحق فاجعل لعنتك علي….
أما أن يقول الواحد منهم: اللهم إني أشهدك أنك تعلم أن فلانا كافر أوليس بكافر فهذه جرأة على الله لا يعرف لها نظير في تاريخ المباهلات، ولا عذر ههنا للمخطئ، وعليهم أن يتوبوا ويستغفروا، وأنا لهم ناصح أمين”.
انتهى
فالشيخ حفظه الله فرّق بين صيغتين:
– الصيغة المقبولة: “اللهم إني أشهدك إن كان فلان كافرًا… فإن كان ما أقوله ليس بحق فاجعل لعنتك علي”، فهذه صيغة تعليق واستشهاد على حال المتكلم نفسه ومآله.
– الصيغة المرفوضة: “اللهم إني أشهدك أنك تعلم أن فلانًا كافر”، فهذا جزم مباشر بأن الله يعلم كفر شخص معين، وهو – كما قال الشيخ – “جرأة على الله لا يُعرف لها نظير في تاريخ المباهلات”.
ثالثًا: ما الصيغة الشرعية البديلة الصحيحة؟
من أراد تأكيد صدقه في يمينه أو مباهلته، فالصيغ السليمة هي:
١. أن يُشهد الله على حال نفسه: “أُشهد الله أنني صادق فيما أقول”.
٢. أو يُقر بإحاطة علم الله عمومًا دون جزم بحكم غيبي معين: “والله يعلم ما في القلوب”، اقتداءً بقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} (الأحزاب: ٥١).
٣. أو يُعلّق الأمر ويكل حقيقته إلى الله دون جزم: “اللهم إن كان فلان كذا فاجعل كذا”، وهي صيغة المباهلة الشرعية الصحيحة التي لا تتضمن ادعاء علم بالغيب.
رابعًا: ما خطورة هذا الاستسهال الذي وقع من المتباهلين؟
إقحام مثل هذه الصيغ الجازمة في الأيمان والمباهلات المعاصرة يدل على استسهال خطير في التعامل مع أسماء الله وصفاته، وتوظيفها لتزكية الدعاوى الشخصية في الخصومات.
والواجب على المسلم، وطالب العلم خاصة، أن يعظّم مقام الله، وأن يزن ألفاظه بميزان الشرع، فلا يجزم بغيب استأثر الله بعلمه، ولا يُلبس دعواه الشخصية لباس “شهادة الله” ليكسبها قوة لا تستحقها.
خامسًا:
وعليه:
فاستشهاد العبد ربَّه على حال نفسه أو صدق قوله جائز، بل ثبت به الشرع في حديث “اللهم فاشهد”.
أما استشهاد الله جزمًا على حكم غيبي باطن في حق شخص معين، كالحكم عليه بالكفر أو الفجور، فهو تألٍّ على الله وافتراء عليه، وجرأة عظيمة، ويجب على من وقع في ذلك أن يتوب ويستغفر، ويبين للناس الصواب كما أظهر الغلط.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ صفر ١٤٤٨ – ٩/ ٨/ ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة