فِقْه المباهلة وحُكْم إقحام الأهل في الدعاء.
السؤال
#تعليقات_علمية_على_صيغ_المباهلة (٣ – ٣)
فقه المباهلة وحكم إقحام الأهل في الدعاء.
ما الفهم الصحيح لآية المباهلة من حيث الدعاء النساء والأطفال فيها؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا: ما فهم آية المباهلة؟
يقول الله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران/ ٦١.
الآية الكريمة لم تنص على أن الدعاء يكون “على” النساء والأبناء، بل النص صريح في أن اللعنة تكون على “الكاذبين”. وإنما طلب إحضارهم ليكونوا حاضرين في هذا الموقف العظيم، ونصت الآية على {نَدْعُ} أي: ندعو، يعني: نحضر، وليس “ندعو عليهم”!
ثانيًا: ما الحكمة من إحضار النساء والأبناء؟
الحكمة في إخراج النساء والأبناء: التخويف والتهويل على الكاذب.
فالإنسان قد يغامر بنفسه، ولكنه يرتدع ويخاف إذا علم أن العذاب أو الهلاك قد يطال أحب الناس إليه وألصقهم به، وهم أهله وولده.
فلما كان استنزال اللعنة أمرًا عظيمًا، كان حضور الأهل أدعى لصدق المتباهلين، وأبلغ في إظهار الثقة المطلقة بصحة الموقف؛ لأن أحدًا لا يرضى بهلاك أهله إلا إن كان متيقنًا من صدقه يقين الجزم.
وهذا ما جعل وفد نجران يتراجعون عن المباهلة.
ثالثًا: هل يقع العذاب على الأهل الأبرياء؟
القاعدة الشرعية القرآنية محكمة: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} النجم/ ٣٨.
لا يمكن أن يعاقب الله زوجة أو ابنًا لا ناقة لهم ولا جمل في قناعات الرجل الخاطئة.
فاللعنة والهلاك ينزلان على الكاذب المفتري، وإذا أصاب الأهلَ شيءٌ من ذلك، فيكون من باب العقوبة للكاذب بأن يرى الهلاك في أحبته فتتفطر كبده عليهم، ويكون بالنسبة لهم قضاء وقدرًا لحكمة يعلمها الله، وليس عقوبة لهم على ذنب لم يرتكبوه.
رابعًا: ما حكم دعاء المتباهل بهلاك نسائه صراحةً؟
الصيغة التي استخدمت في البثوث الأخيرة (فأهلكني مع نسائي هلاك موت بغير قتل) فيها تجاوز ومجازفة، وتعد في الدعاء، قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: ٥٥)، فهذه الآية أصل قرآني عام في تحريم الاعتداء في الدعاء، ويظهر ذلك في المباهلة من عدة أوجه:
١. الآية نصت على إحضارهم للمباهلة، ولم تنص على الدعاء عليهم بالهلاك المباشر.
٢. إقحام الزوجات في الهلاك وهن غافلات لا علاقة لهن بالخلاف الفكري أو العقدي، هو من باب الاعتداء في الدعاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين دعا نصارى نجران، كان النصارى يعتقدون عقيدة واحدة هم وأهلوهم، أما هنا فالزوجة قد لا تدري شيئًا عن المسائل المختلف عليها.
٣. الأصل في الدعاء عند المباهلة أن يقتصر المتباهل على إهلاك نفسه إن كان كاذبًا، أو أن تحل عليه لعنة الله، كما هي صيغة الملاعَنة بين الزوجين في سورة “النور”، حيث خُصت اللعنة والغضب بالكاذب منهما فقط دون أهله.
وعليه:
فخروج الأهل في المباهلة القرآنية هو لإظهار غاية الثقة واليقين، وللضغط النفسي على الخصم ليرتدع.
أما أن يرفع الرجل يديه ويدعو على زوجته بالهلاك صراحةً في خلاف لا علاقة لها به، فهذا مسلك غير سديد، وفيه من التكلف والاعتداء في الدعاء ما لا يخفى.
والله أعلم.
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٨ صفر ١٤٤٨ هـ، ١١/ ٨/ ٢٠٢٦


