أحكام غرامة التأخير والشرط الجزائي، تعليقا على فتوى للشيخ مصطفى العدوي حفظه الله
السؤال
ما التعليق على فتوى الشيخ مصطفى العدوي بجواز غرامة التأخير في العقود بحجة ردع المماطلين؟ وهل التعزير بالمال، أو تحميل المماطل الغني مصاريف التقاضي جائز في هذه الحالة؟ وما حكم غرامة التأخير في إنجاز الأعمال؟
الجواب
الحمد لله، وبعد:
فإن ما أفتى به الشيخ في المقطع المرفق من تجويز شرط غرامة التأخير في العقود المالية بحجة كف المماطلين، هو غلط فادح وزلة عالم، ولا يوافق ما استقرت عليه المجامع الفقهية، وفيه خلط واضح بين مسائل متباينة:
أَوَّلًا: غرامة التأخير المشترطة في العقود، والتي تذهب لجيوب الدائنين، هي عين ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه، فقاعدتهم كانت: إما أن تقضي وإما أن تُربي. فلا يجوز بحال أن يشترط البائع أو الممول زيادة مالية على أصل الدين إذا تأخر المدين في السداد، مهما كانت غايته أو نيته، وهذا محرم بنص قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة/ ٢٧٥.
ثَانِيًا: مسألة التعزير بالمال لردع المماطلين أو المخالفين، وإن قال بها بعض أهل العلم، إلا أن لها ضوابط صارمة؛ فمحل التعزير بالمال هو عند الحاكم أو القاضي، والمال المتحصل من هذا التعزير يصرف في بيت مال المسلمين أو في وجوه البر والمنافع العامة، ولا يجوز قَطْعًا أن يأخذه الدائن لصالحه؛ لأنه إن أخذه صار ربا مَحْضًا وأَكْلًا لأموال الناس بالباطل.
ثَالِثًا: يجب التفريق بين غرامة التأخير المحرمة، وبين تحميل المدين الغني المماطل المصاريف الفعلية لطلب الحق. فالمقرر في قرارات مجمع الفقه الإسلامي جواز تضمين المماطل الغني النفقات الفعلية التي غرمها الدائن لتحصيل حقه، كرسوم التقاضي وأتعاب المحاماة المعتادة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ” أخرجه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني.
أما التعويض عن التعطل عن العمل أو تفويت الكسب، فلا يجوز إلحاقه بالمصاريف الفعلية؛ سَدًّا لذريعة الربا، وتقدير المصاريف الفعلية وإقرارها مرده إلى القضاء بناء على ما يثبت لديه من فواتير، لا إلى شرط مسبق في العقد.
رَابِعًا: ومما يزيل اللبس في هذا الباب قاعدة فقهية نافعة ومهمة، وهي أن: غرامة التأخير تجوز في الأعمال لا في الأموال. وهذا ما يُعرف فِقْهًا بالشرط الجزائي؛ فهو جائز في العقود التي تتضمن عَمَلًا وتعهدًا بالإنجاز، كعقود المقاولات والاستصناع. فمن تعاقد مع مقاول لبناء بيت، أو عامل لتصليح سيارة وما شابه ذلك، واشترط عليه غرامة مالية تُخصم من أجرته عن كل يوم تأخير عن الموعد المحدد للتسليم، فهذا شرط صحيح مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لجبر الضرر الذي يلحق بالعميل، أما في الأموال والديون، فالزيادة فيها مقابل التأخير هي الربا المحرم كما سلف.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ – ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ م


