الكلب والخوارج

الكلب والخوارج
عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا، فقال: ألا إنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قام فينا، فقال: (أَلاَ إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةٍ، وَإِنَّ هذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ في النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ في الجنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ).
قال أبو داود: زاد محمد بن يحيى وعمرو [بن عثمان] في حديثيهما (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتي أقْوَامٌ؛ تَجَارَى بِهِمُ تِلْكَ الأهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الكَلَبُ بِصَاحِبِهِ) وقال عمرو: (الكَلَبُ بِصَاحِبِهِ لاَ يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلاَ مِفْصَلٌ إِلاَّ دَخَلَهُ) ، رواه أبو داود [4/198].
2- عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: سمعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (الخَوَارِجُ كِلاَبُ أهْلِ النَّارِ)، رواه ابن ماجه [1/61] ، وصححه شيخُنا الألباني في (كتاب “السنَّة” [ص424]).
3- عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: سمعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (سَيَخْرُجُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ، أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ في قَتْلِهِمْ أجْراً لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ).
رواه البخاري [12/350] مسلم [7/169].
4- قال البخاري: وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله ، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين . (الفتح [12/350]).
– عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم – ذكر قوماً يكونون في أمته، يخرجون في فُرقةٍ مِن النَّاس، سيماهم التحالق، قال: “هُمْ شَرُّ الخَلْقِ- أوْ مِنْ أشَرِّ الخَلْقِ-، تَقْتُلُهُمْ أدْنى الطَّائِفَتَيْنِ إِلى الحَقِّ” ، رواه مسلم [7/167].
:
1- قال الخطابي:
قوله – صلى الله عليه وسلم -: (سَتَفْتَرِقُ أُمَّتي…) فيه دلالةٌ على أنَّ هذه الفِرق كلها غير خارجةٍ من الدين، إذ قد جعلهم النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم – كلَّهم مِن أمته.
وفيه: أنَّ المتأوِّل لا يخرج مِن الملَّة، وإنْ أخطأ في تأوله.
وقوله: (كَمَا يَتَجَارَى الكَلَبُ بِصَاحِبِهِ)؛ فإنَّ الكَلَبَ داءٌ يعرض للإنسان مِن عضة الكلْب الكَلِب، وهو داءٌ يصيب الكلْبَ؛ كالجنون؛ وعلامة ذلك: أنْ تحمرَّ عيناه، وأنْ لا يزال يُدخل ذنَبَه بين رجليه، وإذا رأى إنساناً ساوره(1)، فإذا عَقَر هذا الكلبُ إنساناً عُرضَ له من ذلك أعراضٌ رديئةٌ … فالكَلَب داءٌ عظيمٌ، إذا تجارى بالإنسان تمادى وهلك. ا.هـ (معالم السنن [7/4] هامش مختصر السنن]).
2- قال الحافظ ابن حجر:
أما الخوارج ؛ فهم جمع (خارجة) -أي: طائفة-، وهم مبتدعون(1)، سُمُّوا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم على خيار المسلمين، وكانوا ينكرون على عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أشياءَ، ويتبرؤون منه، وكان يقال لهم (القرَّاء)؛ لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلاَّ أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدُّون برأيهم ويتنطَّعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قُتل عثمانُ قاتلوا مع عليٍّ، واعتقدوا كفرَ عثمان ومَن تابعه، واعتقدوا إمامةَ عليٍّ، وكُفرَ مَن قاتله مِن أهلِ الجمل؛ الذين كان رئيسهم طلحة والزبير…
ثم انفصلوا عن عليٍّ – رضي الله عنه – لما رضي بالتحكيم… فرجع معاويةُ إلى الشام، ورجع عليٌّ إلى الكوفة ففارقه الخوارجُ وهم ثمانية آلاف… ونزلوا مكاناً يقال له (حروراء) ، ومِن ثَمَّ قيل لهم “الحرورية” … ثم اجتمعوا على أن مَن لا يعتقد معتَقَدهم يكفر، ويباح دمُه، ومالُه، وأهلُه، وانتقلوا إلى الفعل فاستعرضوا النَّاس، فقتلوا مَن اجتاز بهم مِن المسلمين، ومرَّ بهم عبد الله بن خبَّاب بن الأرتّ -وكان والياً لعليٍّ- على بعض تلك البلاد، ومعه سُرِّيَّة-أي : أمَة- وهي حاملٌ، فقتلوه، وبقروا بطن سرِّيتَه عن ولد، فبلغ عليّاً، فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيَّأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بـ (النهروان)، ولم ينج منهم: إلاَّ دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة، فهذا ملخص أمرهم…ا.هـ (الفتح [12/351-352]).
3- صحح الحافظ ابن حجر أثر ابن عمر، وذكر أنَّ الطبري وصله في تهذيب الآثار.
وبوّب البخاري رحمه الله على الأثر والحديث – ومعهما آية وحديثين آخرين- قوله: باب (قتل الخوارج والملحدين بعد قيام الحجة).
4- قال المناوي -عن سبب تشبيههم بالكلاب-: وذلك؛ لأنَّهم -أي: الخوارج- دأبوا ونصبوا في العبادة، وفي قلوبهم زيغٌ، فمرقوا مِن الدين بإغواء شيطانهم حتى كفَّروا الموحدين بذنبٍ واحدٍ ، وتأوَّلوا التنزيلَ على غير وجهه، فخُذلوا بعدما أُيدوا حتى صاروا كلاب النار، فالمؤمن يستر، ويرحم، ويرجو المغفرة والرحمة، والمفتون الخارجي يهتك، ويعيِّر، ويقنط، وهذه أخلاق الكلاب وأفعالهم، فلمَّا كلَبوا على عباد الله، ونظروا لهم بعين النقص والعداوة، ودخلوا النار؛ صاروا في هيئة أعمالهم كلاباً، كما كانوا على أهل السنَّةِ في الدنيا كلاباً بالمعنى المذكور.ا.هـ (فيض القدير [3/679]).

__________
(1) قال الذهبي رحمه الله: الخوارج مبتدعة،مستحلون الدماء والتكفير، يكفِّرون عثمان وعليّاً، وجماعةً مِن سادة الصحابة رضي الله عنهم . ا.هـ الكبائر [ص160]، وانظر كلام النووي في شرح مسلم [7/170].
” الفوائد العِذاب فيما جاء في الكلاب ” تأليفي .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة