هل الوهابيون هم المقصودين في حديث نجد: ” وقال من هناك يخرج قرن الشيطان “؟.
السؤال
هناك حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه اللهم بارك في شامنا وفي يمننا ولم يذكر نجد، وقال من هناك يخرج قرن الشيطان.
– البعض قال أن هذا الحديث يقصد الوهابيين في تلك المنطقة.
الجواب
الحمد لله
- الوهابية لفظة يطلقها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على دعوته إلى تجريد التوحيد من الشركيات ونبذ جميع الطرق إلا طريق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، ومرادهم من ذلك تنفير الناس من دعوته ، وصدهم عما دعا إليه ، ولكن لم يضرها ذلك ، بل زادها انتشاراً في الآفاق وشوَّق إليها ممن وفقهم الله إلى زيادة البحث عن ماهيَّة الدعوة وما ترمي إليه وما تستند عليه من أدلة الكتاب والسنَّة الصحيحة ، فاشتدَّ تمسكهم بها وعَضُّوا عليها ، وأخذوا يدعون الناس إليها ولله الحمد. عبد العزيز بن باز ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد الله بن غديان ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 174 ) .
- ونورد فيما يلي الحديث الذي ذكره الأخ السائل وما يتعلق به:
عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا” قال : قالوا : وفي نجدنا ؟ قال : قال : ” اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ” ، قال : قالوا : وفي نجدنا ؟ قال : قال : هناك الزلازل والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان ” . رواه البخاري ( 990 ) ومسلم ( 2905 ) .
فالحديث لا يدل على الوهابيين – كما يسميهم الخصوم – لا من قريب ولا من بعيد ، والذي فسر هذا التفسير يعوزه الدليل الذي يجب عليه أن يثبت فيه حجته ، أما مجرد القول بلا دليل ولا تعليل صحيح : فهو من الباطل والتخريص والرجم بالغيب.
* فكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصله من نجد فهذا لا يعني أن دعوته شيطانية لعدة أمور:
1- أن الكلام عن الفتنة لا يمكن أن يظهر بعد مئات السنين من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، بل الأقرب أن يشاهد تلك الفتن من سمع النبيَّ الله عليه وسلم ، أو من سمع ممن سمع منه ، وهذا هو الحاصل – كما سيأتي – فقد استدل بهذا الحديث ابن عمر وهو راوي الحديث على أهل العراق ، واستدل به ابنه سالم وهو من التابعين على الأمر نفسه .
قال الشيخ المباركفوري :
وقال العيني في شرح حديث ابن عمر : ” إنه صلى الله عليه وسلم قام إلى جنب المنبر فقال الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان أو قال قرن الشمس ” ما لفظه : وإنما أشار صلى الله عليه وسلم إلى المشرق لأن أهله يومئذ كانوا أهل كفر فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية وكذلك كانت هي وقعة الجمل ووقعة صفين ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما ورائها من المشرق وكانت الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين قتل عثمان رضي الله تعالى عنه وكان صلى الله عليه وسلم يحذر من ذلك ويعلم به قبل وقوعه وذلك من دلالات نبوته صلى الله عليه وسلم انتهى. ” تحفة الأحوذي ” ( 10 / 315 ) .
وقال ابن حجر :
وأول الفتن كان من قِبَل المشرق ، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين ، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به ، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة . ” فتح الباري ” ( 13 / 46 ).
قال سالم بن عبد الله بن عمر :
يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة ، سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض. رواه مسلم ( 2905 ).
2 – أن معنى نجد لا يراد بها منطقة نجد التي في بلاد الحجاز أو ما تسمى بالسعودية ، بل المراد بها الأرض المرتفعة – وهذا معنى نجد لغة – من جهة المدينة وهي جهة العراق وإيران ، وقد جاء مصرحاً في بعض الروايات بلفظ ” وعراقنا ” ، كما سيأتي.
قال ابن حجر :
وقال الخطابي : نجد من جهة المشرق ، ومن كان بالمدينة : كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة ، وأصل النجد : ما ارتفع من الأرض ، وهو خلاف الغور : فإنه ما انخفض منها ، وتهامة كلها من الغور ، ومكة من تهامة. انتهى.
وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي إن نجدا من ناحية العراق فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا . ” فتح الباري ” ( 13 / 47 ) .
قال الشيخ حكيم محمد أشرف سندهو رحمه الله :
مقصود الأحاديث أن البلاد الواقعة في جهة المشرق من المدينة المنورة هي مبدأ الفتنة والفساد ، ومركز الكفر والإلحاد ، ومصدر الابتداع والضلال ، فانظروا في خريطة العرب بنظر الإمعان ، يظهر لكم أن الأرض الواقعة في شرق المدينة إنما هي أرض العراق فقط موضع الكوفة والبصرة وبغداد . ” أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان ” ( 16 ، 17 ) بواسطة ” دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” ( ص 189 ) .
3 – أن الدعوة التي يحملها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – قد حملها قبله كثيرون من غير أهل نجد ، بل لقد تلقوها من أهل الشام الذين مدحوا في الحديث السابق ، ومن أعظم من تلقوها منهم : شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – .
وقد تأثر بهذه الدعوة المباركة طوائف كثيرة من أهل المغرب والهند وغيرهما ، فهل نسمي أولئك العلماء قرون شيطان وهم بحقيقة دعوتهم لا يختلفون مع الشيخ في شيء ؟ .
4 – أن دعوة الشيخ جاءت موافقة للسنة ولما عليه الصحابة الكرام والسلف الصالح ، فانظروا إلى دعوة الشيخ وإلى كتبه هل كان يحتج في رأيه بأقوال الشيطان وسحره حتى نقول : إنه قرن للشيطان .
– فكل الذي يقال في الشيخ هو حسد وتضليل باطل لا برهان ولا سلطان فيه .
5- أن بلد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي ” اليمامة ” ، وليست هي في مشرق المدينة .
قال الشيخ ابن سحمان:
قد كان بلد الشيخ اليمامة ، ولم تكن اليمامة مشرق المدينة ، بل مشرق المدينة: العراق ونواحيه ، فاليمامة ليست مشرق المدينة ، ولا هي وسط المشرق بين المدينة والعراق ، بل اليمامة شرق مكة المشرفة . ” الأسنَّة الحداد في الرد على علوي حداد ” ( ص 97 ) ، بواسطة ” دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” (ص 189).
- وقد جاءت روايات صحيحة تبيِّن المقصود من لفظة ” نجدنا ” فقد روى الطبراني في ” الكبير ” ( 12 / 84 ) حديث ابن عمر وفيه : ” وعراقنا ” ، وفي ” الأوسط ” ( 4 / 246 ) من حديث ابن عباس بلفظ : ” والعراق يا رسول الله ” .
– وهما روايتان صحيحتان ، وقد صححهما الشيخ الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2246 ).
وقد جاء في السنة أيضاً ما يبيِّن أن المشرق إنما يقصد به العراق، ومنه:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق فقال : إن الفتنة ها هنا ، إن الفتنة ها هنا ، من حيث يطلع قرن الشيطان . رواه البخاري ( 3105 ) ومسلم ( 2905 ).
– وفي رواية مسلم ” يشير بيده إلى المشرق ” .
– وفي رواية ” العراق ” .
– وهي رواية صحيحة ، صححها الشيخ الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2494 ) .
وهو فهم صحيح ، قال سالم بن عبد الله بن عمر :
يا أهل العراق ما أسألَكم عن الصغيرة وأرْكَبَكم للكبيرة ، سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض . رواه مسلم ( 2905 ) .
- والواقع يدل على ذلك ، فإن ابتداء الكفر والبدعة والفتن بين المسمين إنما كان ابتداؤها من العراق .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ” الفتنة هاهنا ” ظهر حينئذ كثير من البدع وعربت أيضا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم من المجوس الفرس والصابئين الروم والمشركين الهند. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 20 ).
وقال الشيخ محمود شكري الآلوسي – وهو من بلاد العراق – :
ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبليَّة ، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية ، فأهل ” حروراء ” وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى ، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق ، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري وتواتر النقل به .. إنما نبغوا وظهروا بالبصرة ، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت ، والقول الشنيع في الإمام عليٍّ وسائر الأئمة ، ومسبَّة أكابر الصحابة .. كل هذا معروف مستفيض. “غاية الأماني في الرد على النبهاني” ( 2 / 148 ) بواسطة ” دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” ( ص 189 ) .
وقال الشيخ الألباني رحمه الله :
وطرق الحديث متضافرة على أن الجهة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي المشرق ، وهي على التحديد العراق كما رأيت في بعض الروايات الصحيحة ، فالحديث علَم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ، فإن أول الفتن كان من قِبَل المشرق ، فكان سبباً في للفرقة بين المسلمين ، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها .. ” السلسلة الصحيحة ” ( 5 / 655 ، 656 ) .
وقال أيضاً – رحمه الله – :
وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح – أي : حديث ابن عمر وفيه رواية ” وعراقنا ” – وذكر بعض طرقه وبعض ألفاظه ؛ لأن بعض المبتدعة المحاربين للسنَّة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية ، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد ( نجد ) المعروفة اليوم بهذا الاسم ، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث ، وإنما هي ( العراق ) كما دلَّ عليه أكثر طرق الحديث ، وبذلك قال العلماء قديماً كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم .
وجهلوا أيضاً أن كون الرجل من بعض البلاد المذمومة لا يستلزم أنه هو مذموم أيضاً إذا كان صالحاً في نفسه ، والعكس بالعكس ، فكم في مكة والمدينة والشام مِن فاسق وفاجر ، وفي العراق من عالم وصالح ، وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام :
” أما بعد ، فإن الأرض المقدسة لا تُقدِّس أحداً ، وإنما يقدس الإنسانَ عملُه ” .
وفي مقابل أولئك المبتدعة مَن أنكر هذا الحديث وحكم عليه بالوضع لما فيه من ذم العراق كما فعل الأستاذ صلاح الدين المنجد ، ورددتُ عليه في تخريجي لأحاديثه ، وأثبتُّ أن الحديث من معجزاته صلى الله عليه وسلم ، فانظر الحديث الثامن منه . ” السلسلة الصحيحة ” ( 5 / 305 ، 306 ) .
- وهذا لا يعني الطعن في علماء العراق وصالحيهم .
* قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن – من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -:
ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها ، وأكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة أهل الجرح والتعديل أكثرهم من العراق .
” مصباح الظلام ” ( ص 236 ) بواسطة ” دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” ( ص 186 ) .
– وقد سبق قبل قليل في كلام الشيخ الألباني زيادة بيان .
والله أعلم.


