هل صحَّ حديث فيه قول النبي عليه السلام عن عائشة ( وما يدريك أَمؤمنة هي أم لا؟ ).
السؤال
هذا الحديث ما مدى صحته والذي رد لي به العالِم الرافضي طاعنًا به أمَّنا عائشة رضي الله عنها قائلا لي: بأنها غير مؤمنة، والدليل هذا الحديث الموجود في كتبكم يا أهل السنة! أخرج الطبراني وعبد بن حميد عن كثير بن مرّة الحضرمي عن عائشة: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها مع أبي بكر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة أطعمينا، فقالت: والله ما عندنا طعام، فقال: أطعمينا، فقالت: والله ما عندنا طعام، فقال: أطعمينا، فقالت: والله ما عندنا طعام، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن المرأة المؤمنة لا تحلف على الشيء أنه ليس عندها وهو عندها! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أَمؤمنة هي أم لا؟! إن مَثل المرأة المؤمنة في النساء كمثل الغراب الأعصم من الغربان، وإن النار خُلِقت من السفهاء، وإن النساء من السفهاء إلا صاحبة القسط والمصباح “.
مسند الشاميين للطبراني ج4 ص91، ومسند عبد بن حميد ج4 ص155، والمطالب العالية لابن حجر العسقلاني ج5 ص106، وسند الطبراني صحيح).
فما تفسير علمائنا في هذا الحديث؟ وكيف نرد عليهم به.
الجواب
الحمد لله
الحديث الوارد في السؤال لا يصح سنده، ولا متنه، وسنذكره بنصه، ثم نتبعه بكلام أهل العلم:
عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا مَعَ أبي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ أطْعِمِينَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ. فَقَالَ: أطْعِمِينَا فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ، فَقَالَ: أطْعِمِينَا ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْمَرْأةَ الْمُؤْمِنَةَ لا تَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ انَّهُ لَيْسَ عِنْدَهَا وَهُوَ عِنْدَهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَمَا يُدْريكَ أمُؤْمِنَةٌ هِيَ أم لا؟ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنَةِ فِي النِّسَاءِ كَمَثَلِ الْغُرَابِ الأعْصمِ مِنَ الْغِرْبَانِ، وَإِنَّ النَّارَ خُلِقَتْ مِنَ السُّفَهَاءِ، وَإِنَّ النِّسَاءَ مِنَ السُفَهَاءِ إِلا صَاحِبَةَ الْقِسْطِ وَالْمِصْبَاحِ.
رواه عَبد بن حُميد ( 1528 )، والطبراني في ” مسند الشاميين ” ( 2 / 192 ).
والحديث في إسناده: ” بقية بن الوليد “، وهو كثير التدليس عن الضعفاء، وقد عنعنه في رواية، وإنه وإن صرَّح بالتحديث عن شيخه في رواية أخرى: فلا يحتج به؛ لأنه يدلس تدليس التسوية، وعليه: فلا بد أن يصرح بالسماع عن شيخه، وشيخه يصرح بالسماع عن شيخه إلى آخر الإسناد.
ولذا فالحديث معلول، وقد أعله الإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله، كما في كتاب ” العلل ” لابنه عبد الرحمن ( 1 / 440 ) حيث قال:
قال أبِي: ليس هذا بِشيءٍ.
والله أعلم.
وهذا تفصيل في إجابة أخرى:
الحمد لله
أولاً:
الحديث الوارد في السؤال : لا يصح سنده ، ولا متنه ، وسنذكره بنصه ، ثم نتبعه بكلام أهل العلم :
عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا مَعَ أبي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : يَا عَائِشَةُ أطْعِمِينَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ . فَقَالَ : أطْعِمِينَا فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ ، فَقَالَ : أطْعِمِينَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْمَرْأةَ الْمُؤْمِنَةَ لا تَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ انَّهُ لَيْسَ عِنْدَهَا وَهُوَ عِنْدَهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : وَمَا يُدْريكَ أمُؤْمِنَةٌ هِيَ أم لا ؟ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنَةِ فِي النِّسَاءِ كَمَثَلِ الْغُرَابِ الأعْصمِ مِنَ الْغِرْبَانِ ، وَإِنَّ النَّارَ خُلِقَتْ مِنَ السُّفَهَاءِ ، وَإِنَّ النِّسَاءَ مِنَ السُفَهَاءِ إِلا صَاحِبَةَ الْقِسْطِ وَالْمِصْبَاحِ .
” القِسط ” : أي : المقدار من الماء .
” السراج ” : المصباح .
قال ابن الجوزي – رحمه الله – :
أراد : التي تَخْدُمُ بَعْلَهَا ، وتُوَضِّئُهُ ، وتقومُ على رأسِهِ بالسَّراج ، وبالقِسْطِ الذي هو إِنَاءُ يَسَعُ نِصْفَ صاعٍ .
” غريب الحديث ” ( 2 / 242 ، 243 ) .
رواه عَبد بن حُميد ( 1528 ) ، والطبراني في ” مسند الشاميين ” ( 2 / 192 ) ، وابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 221 ) كلهم من طريق ” بقية بن الوليد ” ، وهو كثير التدليس عن الضعفاء ، والمتروكين ، وقد عنعنه في رواية الطبراني ، وتصريحه بالتحديث عن شيخه في رواية عبد بن حميد وابن عساكر لا تنفعه ؛ لأنه يدلس تدليس التسوية ، فهو لا يسقط شيخه ، بل شيخ شيخه ، فيسوِّي السند ، وعليه : فلا بد أن يصرح بالسماع عن شيخه ، وشيخ شيخه إلى آخر الإسناد .
ﻭﺫﻫﺏ جمهور أهل العلم ﺇﻟﻰ ﺃﻨﻪ يكفي ممن يدلس تدليس ﺍﻟﺘﺴﻭﻴﺔ ﺃﻥ ﻴﺼﺭﺡ ﺒﺎﻟﺴﻤﺎﻉ ﻋﻥ ﺸﻴﺨﻪ ، ﻭﺸﻴخُه ﻋﻥ ﺸﻴﺨﻪ .
وفي الحديث علة أخرى ، وهي : الإرسال ، فكثير بن مرَّة تابعي ، ولم تثبت له صحبة .
وهذا تفصيل ما سبق :
- رواية الطبراني :
حدثنا واثلة بن الحسن العِرْقِي ثنا كثير بن عبيد الحذاء ثنا بقية بن الوليد عن بُحَيْر بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرَّة عن عائشة . ” مسند الشاميين ” ( 2 / 192 رقم 1171 ) .
وفي هذا الطريق ثلاث علل :
أ. واثلة بن الحسن ، هو أبو الفياض الأنصاري العِرْقي ، ترجم له ابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” ( 62 / 366 ، 367 ) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، فهو ” مجهول الحال ” ، كما جاء في كتاب ” إرشاد الداني والقاصي إلى تراجم شيوخ الطبراني ” لأبي الطيب نايف المنصوري ( ص 674 ) .
ب. بقية بن الوليد ، لم يصرِّح بالسماع إلى آخر السند ، وهو معروف بتدليس التسوية ، وتدليسه عن الضعفاء والمتروكين مما يوجب التوقف في تفرده ، بل رده .
قال الإمام الذهبي – رحمه الله – :
كان يدلِّس كثيراً فيما يتعلق بالأسماء ، ويدلِّس عن قوم ضعفاء وعوام ، يسقطهم بينه وبين ابن جريج ، ونحو ذلك ، ويروي عمَّن دبّ ودرج ! .
قال أبو حاتم : سألتُ أبا مسهر عن حديث لبقية فقال : احذر أحاديث بقية ، وكن منها على تقية ، فإنها غير نقية. ” تذكرة الحفاظ ” ( 1 / 211 ، 212 ) .
وقال – أيضاً – :
فحاصل الأمر : أن لبقيَّة عن الثقات أيضاً ما يُنكر ، وما لا يتابع عليه .
” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 527 ) .
وقال :
قال الحافظ أبو الحسن بن القطان : بقية يدلس عن الضعفاء ، ويستبيح ذلك ، وهذا إن صح مفسد لعدالته .
قلت : نعم ، تيقنَّا أنه كان يفعله ، وكذلك رفيقه الوليد بن مسلم ، وغير واحد ، ولكنهم ما يظن بهم أنهم اتَّهموا من حدَّثهم بالوضع لذلك ، فالله أعلم . ” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 528 ، 529 ) .
ج. الإرسال : فكثير بن مرَّة هو الحضرمي الرّهاوي ، أبو شجرة الحمصى ، ويقال له : أبو القاسم ، كما في ” التاريخ الكبير ” للبخاري ( 7 / 208 ) ، وقال الذهبي في ” المقتنى في سرد الكنى ” ( 1 / 51 ) : ” تابعي كبير ” . انتهى ، ونقل ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” ( 7 / 157 ) أنه روى عن طائفة من الصحابة .
وهذا الحديث لا يرويه عن عائشة رضي الله عنها حتى يُبحث في روايته عنها – مع أنه لم يصرِّح أحد أنه روى عنها ، وينظر ” تهذيب الكمال ” ( 24 / 158 ، 159 ) – ، بل هو يروي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك أعلَّه الإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله ، كما في كتاب ” العلل ” لابنه عبد الرحمن ( 1 / 440 ) حيث قال : قال أبِي : ليس هذا بِشيءٍ ، إِنّما يُروى : عن خالِدِ بنِ معدان ، عن كثِيرِ بنِ مُرّة : أنَّ عائِشة سألتِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فذكر الحدِيث . انتهى
والإشارة إلى الإرسال واضحة في ذكر نهاية الإسناد ” أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم ” ، وليس الإسناد : ” عن عائشة ” ، ولو كان هكذا لم يُفرح به ؛ لأنه يكون منقطعاً .
وهو معروف بالإرسال :
أ. ففي ترجمته في ” أسد الغابة ” ( ص 1195 ) :
أخرجه أبو موسى وقال : ” أبو شجرة هذا يروى عن ابن عمر ، أرسل هذين الحديثين ” .
انتهى.
وفي ” تهذيب التهذيب ” لابن حجر ( 8 / 384 ) :
وقال أبو موسى في ” ذيل الصحابة ” أورده عبدان ، وحديثه مرسل . انتهى.
ب. وقال الذهبي – رحمه الله –:
أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم .
” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 46 ) .
ج. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمته :
وله حديث مرفوع أرسله .
” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 5 / 638 ) .
وقال – رحمه الله – أيضاً – :
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً .
” تهذيب التهذيب ” ( 8 / 383 ) .
- رواية عبد بن حُمَيد :
ثنا إبراهيم بن الأشعث ثنا الفضيل بن عياض أنا بقية بن الوليد حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن عائشة .” مسند عبد بن حميد ” ( ص 441 رقم 1528 ) .
وفي هذه الرواية :
أ. التوكيد على أن مخرج الحديث بقية بن الوليد ، وقد سبق بيان حاله .
ب. التحديث من بقية عن شيخه غير مجدٍ ؛ لأن تدليسه ليس عن شيوخه ، بل عن شيوخ شيوخه ، ولذا اشترط العلماء استمرار التحديث إلى آخر الإسناد .
ج. الإرسال ، وسبق بيانه .
د. إبراهيم بن الأشعث ، للعلماء فيه كلام شديد ، يستحق معه طرح حديثه ، بل سائر ما روى ، قال ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” ( 2 / 88 ) : سألتُ أبي عن إبراهيم بن الاشعث ، وذكرتُ له حديثاً رواه عن معن عن ابن أخي الزهري عن الزهري فقال : هذا حديث باطل ، موضوع ، كنَّا نظن بإبراهيم بن الأشعث الخير ، فقد جاء بمثل هذا . انتهى ، وفي ” الثقات ” لابن حبان ( 8 / 66 ) قال عن إبراهيم بن الأشعث – ويعرف بـ” لام ” – : يُغرب ، ويتفرد ، ويخطئ ، ويخالف . انتهى
- رواية ابن عساكر :
روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث في ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 221 ) من طريق إسحاق بن راهويه ومحمد بن المصفى عن بقية بن الوليد قال : حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن أبي شجرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة ودخل عليها : ( أطعمينا ) فقالت : ما عندنا طعام ، فقال : ( أطعمينا ) فقالت : والله ما عندنا طعام ، ثلاثاً ، فقال أبو بكر يعتذر عنها : والله إن المرأة المؤمنة لا تحلف على أن ليس عندها طعام وهو عندها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( المرأة المؤمنة في النساء كالغراب الأعصم في الغربان ، فإن النار خلقت للسفهاء وإن النساء أسفه السفهاء إلا صاحبة القسط والسراج ) .
وعلى هذه الرواية ملحظان :
أ. أنه ثمة تصحيف في آخر الإسناد ، وصوابه : ” عن كثير بن مرة أبي شجرة ” ، وليس ” عن أبي شجرة ” ، فعاد للحديث علله السابقة .
وكثير بن مرَّة لا يروي عن رجل يكنى ” أبا شجرة ” ، بل هو نفسه ، كما سبق في ترجمته ، والخطأ في مثل هذا يرد كثيراً ، عندما تعقب الكنيةُ الاسمَ ، فيُفصل بينهما على أنهما راويان ، وقد نبَّه ابن عساكر نفسه على هذا في ترجمة كثير بن مرة نفسه ، فقال :
( عن ) خليفة – هو ابن خيَّاط – قال : ” في الطبقة الثانية من محدثي أهل الشام : كثير بن مرة الحضرمي وأبو شجرة ، حمصي ” ، قال ابن عساكر : كذا فيه ، والصواب : أبو شجرة ، بغير واو .
” تاريخ دمشق ” ( 50 / 54 ) .
وبناء على هذا التصحيف فقد ذكر ابن عساكر هذه الرواية في ترجمة يزيد بن شجرة أبي شجرة الرُّهاوي ! على أنه راوٍ روى عنه كثير بن مرَّة ، وهذا غير صحيح ، بل هو نفسه ، واشتراك شيخ وتلميذه في كنية واحدة غريبة مما يلفت النظر لو كان الأمر صحيحاً ، ويُذكر مثل هذا في نوادر الأسانيد والأسماء ، ولو صحَّ أنه هو فهو ليس صحابيّاً على الصحيح من أقوال أهل العلم ، ومن عدَّه من الصحابة فقد أخطأ ، فصار الحديث منقطعاً مرسلاً .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
وقال ابن حبان : يقال له صحبة ، وكذا قال ابن أبي حاتم ، وقال ابن مندة : قال بعضهم : له صحبة ، ولا يثبت ، وقال أبو زرعة : ليست له صحبة صحيحة ، ومن يقول له صحبة : مخطئ ، وقال يزيد بن أبي زياد : عن مجاهد عن يزيد بن شجرة ، وله صحبة ، وهو خطأ ، قاله أبو حاتم . ” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 6 / 662 ، 663 ).
وقال الذهبي – رحمه الله – في ترجمته – :
أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن أبي عبيدة ، واستعمله معاوية .
” سيَر أعلام النبلاء ” ( 9 / 106 ) .
انظر ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 228 ) ، و ” تهذيب الأسماء ” للنووي ( ص 464 ) .
ب. أن لفظ الحديث هنا ليس فيه الإشكال الوارد في السؤال ، وفي سائر الروايات ، بل فيه إقرار أبي بكر رضي الله عنه على قوله عن عائشة ” إنها مؤمنة ” ! فماذا سيصنع الرافضة وقد أسقط في أيديهم الآن ؟! .
ويقال في التعليق على ما سبق :
- كيف يكون مثل هذا الحديث طعناً في إيمان عائشة رضي الله عنها ، وهي التي روته للناس ، فكيف تروي ما هو طعن فيها ، وهي يسعها كتمانه ، فإن قيل : لم تروه هي لكن نقله كثير بن مرَّة : قلنا : الحمد لله ، هو لم يشهد الحادثة ؛ لأنه تابعي ، فسقط الحديث .
- وإذا كان الرافضة يقبلون هذا الحديث على ما فيه : فليس رواية الطبراني وعبد بن حميد بأولى في التقديم من رواية ابن عساكر ، ورواية ابن عساكر من طريق إمام جبل ، وهو إسحاق بن راهويه ، وهي أولى عندنا بالتقديم ، وفيها فائدتان :
أ. أنها تخلو من الإشكال الوارد في السؤال ، بل هي تثبت الشهادة بإيمان عائشة رضي الله عنها من قبَل النبي صلى الله عليه وسلم .
ب. أن إرسالها أوضح من غيرها من الروايات .
فإن قدم الرافضة هذه الرواية لم يجدوا فيها الطعن في عائشة ، وإن قدموا غيرها : عارضناهم بها ! .
ثانياً:
ونقول في نقد متن هذه الرواية على فرض أن فيها طعناً بعائشة رضي الله عنها :
- أننا نرى متنها غاية في النكارة والغرابة ، فليست هذه أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع المخالف لشرعه أن يواجهه بمثل هذا ، فكيف تكون هذه أخلاقه مع زوجته ، وهي أحب الناس إليه ؟! .
- أننا نرى في هذه الرواية طعناً في النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث نراه غضب من أجل طعام ! وما هذه بأخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، والذي يعظم اسم الله تعالى إذا حلف به مسلم ، كما فعل أخوه عيسى عليه السلام حين رأى رجلاً يسرق ، فلما أقسم له بالله أنه لم يسرق قال ” صدَقتُ يمينك وكذَّبت عينيَّ ” ! ونبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية المنكرة لم ير الطعام في بيته بعينه ، فأولى أن يصدِّق يمين زوجته .
- وحتى على فرض علمه صلى الله عليه وسلم بوجود طعام في بيته : فإن عائشة رضي الله عنها كان يمكن أن تتصدق به ، وهو لا يعلم ، كما حدث ذلك معها في أحاديث صحيحة ، فيكون نبينا صلى الله عليه وسلم – على فرض صحة الرواية – أخبر بعلمه بوجود الطعام في بيته ، لكنه لا يعلم باستمرار وجوده وقت السؤال .
عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ : جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ ! فَأَعْطَيْتُهَا ، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا ، ثُمَّ قَامَتْ ، فَخَرَجَتْ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ : ( مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ) .
رواه البخاري ( 5649 ) ومسلم ( 2629 ) .
هذه حال بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه حال أمنا عائشة من الكرم والجود بكل طعامها في بيتها ، وهذه حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عدم الغضب على هذا الإنفاق ، كيف وهو الذي ربَّاهم على هذا ، فأين هذه الأخلاق مما في الرواية المنكرة ؟! .
- أنه ثبت عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل أمَّنا عائشة رضي الله عنها عن الطعام إن كان عندها شيء فكان يصدِّقها بنفي وجوده ، ثم يحضر الطعام فتخبره بوجوده ، وما في الرواية الواردة في السؤال يناقض هذا ويخالفه .
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ : ( يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ ) قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، قَالَ : ( فَإِنِّي صَائِمٌ ) قَالَتْ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ – أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ – قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ – أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ – وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا ، قَالَ : ( مَا هُوَ ؟ ) قُلْتُ : حَيْسٌ ، قَالَ : ( هَاتِيهِ ) فَجِئْتُ بِهِ ، فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ : ( قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا ) . رواه مسلم ( 1154 ) .
الحيْس : بفتح الحاء المهملة : هو التمر مع السمن والإقط .
والزَّوْر : بفتح الزاي : الزوار .
وقولها ” جاءنا زور وقد خبأتُ لك ” معناه : جاءنا زائرون ، ومعهم هدية ، خبأتُ لك منها ، أو يكون معناه : جاءنا زوْر فأهديَ لنا بسببهم هدية . كذا قال النووي في ” شرح مسلم ” ( 8 / 34 ، 35 ) .
- وكيف لا يصدِّق نبينا صلى الله عليه وسلم عائشة في عدم وجود طعام في بيته ، وهذه كانت حاله ، وهذا كان حال نسائه جميعاً ، وقد اختار نبينا صلى الله عليه وسلم ما عند الله ، فلا عجب أن لا يوقد في بيته نار لشهرين ، وإنما طعامهم التمر والماء ، وليس هذا حال بيت عائشة ، بل هو حال بيوت نسائه جميعاً رضي الله عنهن .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ : مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يَضُمُّ – أَوْ يُضِيفُ – هَذَا ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَنَا … .
رواه البخاري ( 3587 ) ومسلم ( 2054 ) .
- قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية ( فإن النار خلقت للسفهاء وإن النساء أسفه السفهاء ) : من أبطل الباطل ، وأبعده عن الحقيقة والواقع ، وأبعده عن خلُق النبي صلى الله وسلم ، وشرعه ، وكيف تكون النار خلقت للسفهاء والله تعالى أخبر أنها أعدَّت للكافرين ؟ وهل السفهاء كفار ؟! إن السفاهة في لغة العرب تعني خفة العقل ، وقلة الضبط للأمور ، وهل لمثل هؤلاء أعدَّ الله النار والسعير وهم معذورن بطبيعة الخِلقة ؟! .
قال تعالى : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) النساء/ 5 .
وقال تعالى : ( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة/ من الآية 282 .
ومن هنا وصف الكفارُ المؤمنين بـ ” السفهاء ” ! لأنهم اتبعوا الحق ، وآمنوا ، قال تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 13 .
قال الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله – :
وقوله : ( أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) استفهام للإنكار ، قصدوا منه التبرىء من الإيمان على أبلغ وجه ، وجعلوا الإيمان المتبرأ منه شبيهاً بإيمان السفهاء ؛ تشنيعاً له ، وتعريضاً بالمسلمين بأنهم حملهم على الإيمان سفاهة عقولهم ، ودلوا على أنهم علموا مراد من يقول لهم ( كَمَا آمَنَ النَّاسُ ) أنه يعني بالناس : المسلمين .
والسفهاءُ جمع سفيه ، وهو المتصف بالسفاهة ، والسفاهة : خفة العقل ، وقلة ضبطه للأمور قال السموأل :
نَخاف أن تَسْفَهَ أحلامُنَا *** فَنَخْمل الدهرَ مع الخامل
والعرب تطلق السفاهة على أفَن الرأي ، وضعفه ، وتطلقها على سوء التدبير للمال ، قال تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) النساء/ 5 ، وقال : ( فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ) البقرة/ 282 الآية ؛ لأن ذلك إنما يجيء من ضعف الرأي .
ووصفهم المؤمنين بالسفاهة : بهتان ؛ لزعمهم أن مخالفتهم لا تكون إلا لخفة في عقولهم ، وليس ذلك لتحقيرهم ، كيف وفي المسلمين سادة العرب من المهاجرين ، والأنصار ، وهذه شنشنة أهل الفساد والسفه أن يرموا المصلحين بالمذمَّات ، بهتاناً ، ووقاحة ، ليلهوهم عن تتبع مفاسدهم ، ولذلك قال أبو الطيب :
وإذا أتتْكَ مَذمَّتي من ناقص *** فهي الشهادةُ لي بأني كامل . ” التحرير والتنوير ” ( 1 / 287 ) .
وقد ذكر مجاهد رحمه الله وغيره أن المقصود بالسفهاء – تحديداً – في قوله تعالى ( وَلاَتُؤتوا السُّفَهاءَ أمْوَالُكُم ) هم النساء ! وهؤلاء إنما أرادوا عدم قدرة جنس النساء على معرفة النافع من الضار في المصالح المتعلقة بالمال فقط ، لا عموماً .
قال الطبري – رحمه الله – :
ولذلك سمَّى الله عز وجل النِّساء ، والصبيانَ سفهاء ، فقال تعالى : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) النساء/ 5 ، فقال عامة أهل التأويل : هم النساء والصبيان ، لضعف آرائهم ، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضارِّ التي تصرف إليها الأموال . ” تفسير الطبري ” ( 1 / 293 ) .
وقال الزبيدي – رحمه الله – :
وقالَ الأزْهرِيُّ : سُمِّيت المرْأَةٌ سَفِيهَة لضعفِ عَقْلِها ، ولأنَّها لا تُحْسِنُ سِياسَةَ مالِها .
” تاج العروس من جواهر القاموس ” ( 36 / 400 ) .
ومع ذلك فقد ردَّ عليهم بعض أهل العربية ، وبعض أهل التفسير .
قال القرطبي – رحمه الله – :
واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء ، من هم ؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : هم اليتامى ، لا تؤتوهم أموالكم ، قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية ، وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال : هم الأولاد الصغار ، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء ، وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال : هم النساء ! ، قال النحَّاس وغيره : وهذا القول لا يصح ؛ إنما تقول العرب في النساء ” سفائه ” ، أو ” سفيهات ” ؛ لأنه الأكثر في جمع ” فعيلة ” . ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 28 ) .
وقد أطلق الله تعالى وصف ” السفه ” على طائفة تعبيراً عن ضعفهم وقلة حيلتهم في تدبير شئون أنفسهم ، وذلك في قوله تعالى ( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة/ من الآية282 .
كما أطلف تعالى هذا الوصف على من ضعيف الفكر ، وقليل العقل ، ذمّاً له ، لا لطبيعة خلقته ، بل لاتباعه هواه ، وتعطيله نعمة العقل ، وذلك في قوله تعالى : ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) البقرة/ 142 .
- وفي الحديث – على فهم من يستدل به من الرافضة – نكارة واضحة من جهة اعتقادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلب عنها وصف الإيمان بسبب حلفها ذاك ، والرد على هذا من جهتين :
أ. ومن قال إن الحلف بالله تعالى كاذباً كفر أكبر ؟! إنه لو صحَّ الحديث – وأنَّى له ذلك – وكانت عائشة رضي الله عنها قد حلفت كاذبة – وحاشاها من ذلك – لكانت وقعت في إثم تستحق عليه العقوبة ، ولا تكفر عند أحد من أهل الإسلام ، ولم يكفر على مثل هذا الفعل إلا الخوارج ، وهؤلاء لا قيمة لاتفاقهم ، ولا لاختلافهم مع أهل الإسلام .
ب. ونفي الإيمان لا يستلزم نفي الإسلام ، والحديث إن كان فيه نفي الإيمان عن عائشة رضي الله عنها : فهو نفي لدرجة كمالية ، وليس نفياً للإسلام ، وهو مثل كثير من الأحاديث والتي فيها نفي الإيمان عمن آذى جاره ، ولم يسلم المسلمون من لسانه ويده ، وليست هذه الأفعال مخرجة من الإسلام قطعاً .
عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ مُسْلِمٌ ؟ ) حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( أَوْ مُسْلِمٌ ) ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) . رواه البخاري ( 27 ) ومسلم ( 150 ) .
والظاهر – والله أعلم – أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) زجر سعداً عن الشهادة بالإيمان ؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه ، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال : ” إن كنت مادحاً لا محالة فقل : أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحداً ” – رواه أحمد وهو صحيح – ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه . ” فتح الباري ” ( 1 / 122 ) .
ومما يؤكد – على فرض صحة الحديث – أن النفي في الحديث كان للإيمان وليس للإسلام : أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي عائشة رضي الله عنها لنفسه زوجة بعدها ، والرافضة – قبحهم الله – لا يثبتون لها رضي الله عنها الإسلام ، وهو من أبلغ الطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإسلام أمنا عائشة لا يشكك به حفنة مجوس حاقدون على الإسلام وأهله الذين أطفئوا نار الفرس ، وأضاءوا للعالَمين الطريق ، وهي على ذلك : أحب الخلق إليه صلى الله عليه وسلم ، وقد صرَّح بذلك للناس أجمع ، وقد كان يحب أن يمرَّض في بيتها ، فأذن نساؤه بذلك ، حتى كان موته صلى الله عليه وسلم في بيتها ، وفي ليلتها ، وفي حَجرها .
هذا ما تيسر ذِكره من نقض ذلك المتن الباطل ، والذي لم يثبت له إسناد صحيح ، ومن فضل الله تعالى أن قد بينَّا وجهه فيما لو كان صحيحاً .
ونسأل الله أن ينتقم لأصحاب نبيه من كل من أساء إليهم ، وطعن فيهم ، وأن يجعل منه عبرة للعالَمين .
والله أعلم.


