هل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الحديث؟

السؤال

عندما كان ينزل الوحي بالقرآن الكريم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابته وجمعه في المصحف. فهل هناك دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بجمع الحديث في كتب ككتب البخاري ومسلم والترمذي …الخ لحفظ الحديث؟

الجواب

الحمد لله

أذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الأحاديث عنه في عدة أحاديث ، ولم يأمر أن تُجمع على أبواب معينة أو ترتيب خاص ، وهذا الأمر حصل فيما بعد لتسهيل العلم على الناس .

* ومن الأحاديث الثابتة في كتابة بعض الصحابة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم:

  1. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ” إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين فإنها لا تحل لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدى وإما أن يقيد ” ، فقال العباس : إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إلا الإذخر ” فقام أبو شاه – رجل من أهل اليمن – فقال: اكتبوا لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اكتبوا لأبي شاه . رواه البخاري ( 2302 ) ومسلم ( 1355 ) .

زاد البخاري: قال الوليد بن مسلم للأوزاعي : ما قوله ” اكتبوا لي يا رسول الله ” ؟ قال : هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

  1. عن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكتُ عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: ” اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق “. رواه أبو داود ( 3646 ).
  2. عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي بن أبي طالب : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت فما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر. رواه البخاري ( 111 ).
  3. عن أبي قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق ، قال : فأخرج منه كتاباً ، قال : فقال عبد الله بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مدينة هرقل تفتح أولاً ” – يعني : قسطنطينية – . رواه أحمد ( 6607 ) .

والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 4 ).

* وأما ما ورد من النهي عن الكتابة: فالصحيح أنه منسوخ.

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله:

قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها ، والإذن متأخر ، فيكون ناسخا لحديث النهي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح ” اكتبوا لأبي شاه ” يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها ، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة ، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب ، ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها ” الصادقة ” ولو كان النهي عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن ، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها ، وهذا واضح ، والحمد لله .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم في مرض موته ” ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ” ، هذا إنما كان يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه.

وكتب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم كتابا عظيما في الديات وفرائض الزكاة وغيرها وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب وكتاب أبي بكر الصديق الذي دفعه إلى أنس وقيل لعلي ” هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ فقال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا ما في هذه الصحيفة ، وكان فيها العقول وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر “.

وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره فلما علم القرآن وتميز وأفرد بالضبط والحفظ وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة.

وقد قال بعضهم : إنما كان النهي عن كتابة مخصوصة وهي أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة خشية الالتباس .

وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقا .

وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ فإذا حفظ محاها .

وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها ، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل . ” تهذيب السنن ” ( 10 / 55 ، 56 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة