ما حكم من يعيش في بلد إسلامي لا يطبق الشريعة؟
السؤال
ماذا يحدث لو أني أعيش في بلد إسلامي لا يطبق الشريعة؟ هل أنا كافر أم ظالم أم فاسق طبقًا للآية؟
الجواب
الحمد لله
نأسف أن يكون حال المسلمين اليوم أنه لا تُطبَّق فيها شريعة الله عز وجل، ولذا نرى بسبب هذا انتشار المعاصي والموبقات، فصار المسلم يجد حرجًا إما من البقاء فيها والعيش بسلام من الآثام، وإما من الانتقال فيها من مكان إلى مكان.
قال الشيخ صالح الفوزان:
لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، وموقف المسلم من هذه الفتن وتلك المستجدات يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح، فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغير شيئًا منها وأن يدعوهم إلى الله ويرشدهم إلى الصواب: فهذا أمر مطلوب وهو من مقاصد الدعوة.
أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم بل في اختلاطه هذا خطر عليه وعلى ذويه: فعليه أن يهاجر بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك، فالله عز وجل وسَّع المجالات وعدَّد الفرص {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } [ الطلاق / 3 ].
فعلى الإنسان أن لا يبدي العجز، فالله قد تكفَّل بالأرزاق وجعل مع العسر يسرًا، ومع الكرب فرَجًا، ولهذا فالإنسان عليه أن يحسن الظن بالله ويتوكل عليه ويخشاه، [ و ] الله قد وعد باليسر للمسلم وهو لا يخلف وعده.” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 263، 264 ).
ولا يلزم من كون الدولة التي يعيش بها المسلم لا تطبق الشريعة أنه يُحكم على ساكنها بشيء، بل يُحكم على ساكنها بحسب حاله فيها، فالأمر يختلف باختلاف البلد نفسه وباختلاف المسلم المقيم فيها، فإننا قد نجد المسلم الذي يعيش في البلاد التي لا تطبق الشريعة أحسن حالًا من الذي يعيش في بلاد تطبق الشريعة، وذلك بحسب بيئته وصحبته وعمله، لذا أفتى العلماء المحققون: أنه لا يقال إن البلد الفلانية خير من تلك بالنسبة للمسلم؛ فإنه يختلف باختلاف حال المقيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرضٌ يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسانٍ بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدِّس أحدًا وإنما يقدس العبدَ عملُه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا، وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام { سأريكم دار الفاسقين } وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلمًا، وتارة كافرًا، وتارة مؤمنًا، وتارة منافقا، وتارة برًّا تقيًّا، وتارة فاسقًا، وتارة فاجرًا شقيًّا، وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة وهذا أمرٌ باقٍ إلى يوم القيامة والله تعالى قال: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم }، قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة وهكذا قوله تعالى: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك وصبر على ما أصابه من قول أو فعل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 284 ، 285 ).
والله أعلم.


