لماذا نصلي نحو الكعبة – فهي مبنى حجري -؟

السؤال

الكعبة هي بيت الله. فلماذا نصلي نحو مبنى حجري؟

الجواب

الحمد لله

  1. أفعال الله تعالى منزهة عن العبث، وهو سبحانه الحكيم، يحكم بحكمة، ويأمر وينهى بحكمة، يظهرخا لخلقه أحيانًا، ويبتليهم بإخفائها عنهم أحيانًا أخرى.

قال ابن القيم:

الأصل الخامس: أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنىً ومصلحةً، وحكمه هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمةٍ بالغةٍ لأجلها فعل ما فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها:   

النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله { حكمة بالغة }، وقوله { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة }، وقوله  { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا }.

والحكمة: هي العلم النافع والعمل الصالح، وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما وأوصلا إلى غايتيهما، وكذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون موصلًا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدًا إلى العلم النافع والعمل الصالح، فتحصل الغاية المطلوبة فإذا كان المتكلم به لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على أسبابها وموانعها ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ولا تكلم لأجلها ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها: لم يكن حكيمًا ولا كلامه حكمةً فضلاً عن أن تكون بالغةً.

النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا كقوله { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض }، وقوله { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا }، وقال { جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم }، وقوله { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } .. .. . ” شفاء العليل ” ( ص 190 ).

  1. ومن حكمته سبحانه وتعالى أنه اختص أشخاصًا وأزمانًا وأمكنةً بأحكام، وعظمهم سبحانه لحكمة بالغة منه سبحانه، فمن الأشخاص: اختص الأنبياء، ومن الأزمان: يوم عرفة وعاشوراء،  ومن الأمكنة: الكعبة.

قال ابن القيم رحمه الله:

النوع العشرون: جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه وإن كان السائل لا يعلمها كما أجاب الملائكة لما قال لهم { إني جاعل في الأرض خليفة } فقالوا { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} فأجابهم بقوله { إني أعلم ما لا تعلمون }، ولو كان فعله مجردًا عن الحِكَم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم به أن سألوا هذا السؤال ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم مالا يعلمونه من الحِكَم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه    الحكمة، لم يكن اعتراضًا على الرب تعالى، ولو قُدِّر أنه على وجه الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة فلما رأوا أن خلْق هذا الخليقة منافٍ للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك.

ومن هذا قوله تعالى { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالاته } فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها، ولو كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة: لم يكن في هذا جوابًا بل كان الجواب أن أفعاله لا تُعلَّل، وهو يرجح مثلًا على مثَل بغير مرجح والأمر عائد إلى مجرد القدرة كما يقوله المُنكرون .. ..

ومنه: قوله { جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم }، فذكر صفة العلم التي اقتضت تخصيص هذا المكان وهذا الزمان بأمرٍ اختصا به دون سائر الأمكنة والأزمنة.

ومن ذلك: قوله سبحانه { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا }، فأخبر أنه وضع هذه الكلمة عند أهلها ومن هم أحق بها وأنه أعلم بمن يستحقها من غيرهم.

فهل هذا وصف من يخص بمحض المشيئة لا بسبب وغاية؟.

” شفاء العليل ” ( ص 203 ).

  1. وقد جعل الله تعالى لمكة من الفضائل والميزات ما ليس لغيرها، فاقتضت حكمة الله تعالى أن تكون خير بقاع الأرض.

قال العز بن عبد السلام:

إن قيل: قد ذهب مالك رحمه الله إلى تفضيل المدينة على مكة، فما الدليل على تفضيل مكة عليها؟

قلنا: معنى ذلك أن الله يجود على عباده في مكة بما لا يجود بمثله في المدينة، وذلك من وجوه:

أحدها: وجوب قصدها للحج والعمرة وهذان واجبان لا يقع مثلهما في المدينة، فالإثابة عليهما إثابة على واجب، ولا يجب قصد المدينة بل قصدها بعد موت الرسول عليه السلام بسبب زيارته سنة غير واجبة.

الوجه الثاني: إن فضلت المدينة بإقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النبوة، كانت مكة أفضل منها؛ لأنه أقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة أو خمس عشرة سنة وأقام بالمدينة عشرًا.

الوجه الثالث: إن فضلت المدينة بكثرة الطارقين من عباد الله الصالحين، فمكة أفضل منها بكثرة من طرقها من الصالحين والأنبياء والمرسلين، وما من نبي إلا حجها آدم ومن دونه من الأنبياء والأولياء، ولو كان لملك داران فُضليان فأوجب على عبيده أن يأتوا إحدى داريه، ووعدهم على ذلك بغفران سيئاتهم ورفع درجاتهم وإسكانهم في قربه وجواره في أفضل دوره، لم يرتب ذو لب أن اهتمامه بهذا المكان أتم من اهتمامه بغيره من بيوته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ” من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه “، وقال: ” الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة “، وقال في المدينة: ” من صبر على لأوائِها وشدتها كنت له شفيعا أو شهيدًا يوم القيامة”.

الوجه الرابع: أن التقبيل والاستلام ضرب من الاحترام وهما مختصان بالركنين اليمانيين ولم يوجد مثل ذلك في مسجد المدينة على ساكنها أفضل السلام.

الوجه الخامس: أن الله أوجب علينا استقبالها في الصلاة حيثما كنا من البلاد والفلوات …

الوجه السادس: أن الله حرم علينا استدبار الكعبة واستقبالها عند قضاء الحاجات.

الوجه السابع: أن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض، فلم تحل لأحد من الرسل والأنبياء إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم، فإنها أحلت له ساعة من نهار.

الوجه الثامن: أن الله بوأها لإبراهيم الخليل عليه السلام، ولابنه إسماعيل عليه السلام، وجعلها مبوأ ومولدا لسيد المرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

الوجه التاسع: أن الله جعلها حرما آمنا في الجاهلية والإسلام.

الوجه العاشر: أن مكة لا تدخل إلا بحج أو عمرة، إما وجوبا أو ندبا، وليس في المدينة مثل ذلك ولا بدل منه.

الوجه الحادي عشر: أن الله عز وجل قال في مكة: { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا }، عبر بالمسجد الحرام عن الحرم كله، وهذا من مجاز التعبير بالبعض عن الكل، كما يعبر بالوجه عن الجملة، وبالرأس عن الجملة.

الوجه الثاني عشر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل لدخول مكة، وهو مسنون ولم ينقل في المدينة مثل ذلك، وفي هذا نظر من جهة أن اغتساله لأجل الحج لا لأجل دخول البلد كما في غسل الإحرام.

وقد أثنى الله على البيت في كتابه بما لم يثن على المدينة فقال: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين }.

وكيف لا نعتقد أن مكانا أوجب الله إتيانه على كل مستطيع أفضل من مكان لا يجب إتيانه.

ومن شرف مكة: أن الصلاة لا تكره فيها في الأوقات المكروهات لما روى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار ”  أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وأما ما رواه من قوله عليه السلام: ” اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك “: فهذا حديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن صح فهو من المجاز الذي لا يعرفه كثير من الناس، وهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه، ولا يقوم به قيام العرض بالجوهر كقوله { بلدة طيبة } وصفها بالطيب الذي هو صفة لهوائها .. ..

وكذلك سائر الأوصاف الشريفة لم يضعها الرب سبحانه وتعالى فيمن يشاء من عباده لمعنى اقتضاها واستدعاها، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.

وكذلك ما منَّ به من المعارف والأحوال وحسن الأخلاق: لم يكن ذلك إلا فضلًا مِن فضله وجودًا من جوده على من يشاء من عباده، فكذلك الأماكن والأزمان أودع الله في بعضها فضلًا لا وجود له في غيرها، مع القطع بالتماثل والمساواة، وكذلك الأجسام التي فضلت بأعراضها كالذهب والفضة، وسائر الجواهر النفيسة. ” قواعد الأحكام في مصالح الأنام ” ( 1 / 46 – 51 ).

  1. ولله سبحانه الحكمة البالغة في أمر المسلمين باستقبال بيته الحرام بعد بيت المقدس.

قال ابن القيم:

بل أخبر أن له المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ثم أخبر أنه كما جعلهم أمة وسطا خيارًا اختار لهم أوسط جهات الاستقبال وخيرها كما اختار لهم خير الأنبياء وشرع لهم خير الأديان وأنزل عليهم خير الكتب وجعلهم شهداء على الناس كلهم لكمال فضلهم وعلمهم وعدالتهم.

وظهرت حكمته في أن اختار لهم أفضل قبلة وأشرفها لتتكامل جهات الفضل في حقهم بالقِبلة والرسول والكتاب والشريعة، ثم نبه سبحانه على حكمته البالغة في أن جعل القبلة أولًا هي بيت المقدس ليعلم سبحانه واقعًا في الخارج ما كان معلومًا له قبل وقوعه من يتبع الرسول في جميع أحواله وينقاد له ولأوامر الرب تعالى ويدين بها كيف كانت وحيث كانت، فهذا هو المؤمن حقا الذي أعطى العبودية حقها، ومن ينقلب على عقبيه ممن لم يرسخ في الإيمان قلبه ولم يستقر عليه قدمه فعارض وأعرض ورجع على حافره وشك في النبوة وخالط قلبه شبهة الكفار الذين قالوا أن كانت القبلة الأولى حقا فقد خرجتم عن الحق وأن كانت باطلا فقد كنتم على باطل وضاق عقله المنكوس عن القسم الثالث الحق وهو أنها كانت حقا ومصلحة في الوقت الأول ثم صارت مفسدة باطلة الاستقبال في الوقت الثاني، ولهذا أخبر سبحانه عن عظم شأن هذا التحويل والنسخ في القبلة فقال  { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله }، ثم أخبر أنه سبحانه لم يكن يضيع ما تقدم لهم من الصلوات إلى القبلة الأولى وأن رأفته ورحمته بهم تأبي إضاعة ذلك عليهم وقد كان طاعة لهم.

فلما قرر سبحانه ذلك كله وبين حُسن هذه الجهة بعظمة البيت وعلو شأنه وجلالته قال { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره }، وأكد ذلك عليهم مرة بعد مرة اعتناء بهذا الشأن وتفخيما له وأنه شأن ينبغي الاعتناء به والاحتفال بأمره.

فتدبر هذا الاعتناء، وهذا التقرير، وبيان المصالح الناشئة من هذا الفرع من فروع الشريعة، وبيان المفاسد الناشئة من خلافه، وأن كل جهة في وقتها: كان استقبالها هو المصلحة، وأن للرب تعالى الحكمة البالغة في شرع القبلة الأولى، وتحويل عباده عنها إلى المسجد الحرام فهذا معنى كون الحُسن والقبح ذاتيًّا للفعل لا ناشئًا من ذاته، ولا ريب عند ذوي العقول أن مثل هذا يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال والأشخاص.

” مفتاح دار السعادة ” ( 2 / 30 – 32 ).

  1. والمسلم عبدٌ لربه ما جاءه من الأحكام فيه تعليل وذكر للحكمة هو كما لو جاءته الأحكام من غير ذِكر الحكمة، بل إن الأحكام التعبدية التي لم تُذكر فيها الحكمة هي الميزان في معرفة عبودية المسلم لربه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة