كيف تقضي الفوائت التي لا تعلم عددها؟
السؤال
لقد فُجئت عندما قرأت أجوبتكم على أسئلة في الموقع فكان حالي يشابه تمامًا حال الأخت أو الأخ الذي بعث لكم بهذه الأسئلة، فقد كنت أتوضأ بشكل عادي ولكن حين أصل إلى الرجلين فقد كنت أغسل اليمنى أولًا وأدخلها في الجورب ثم أغسل اليسرى وأدخلها في الجورب.
لقد قرأت في أجوبتكم أن كل الصلوات الفائتة يجب أن تقضى.
ولكن كيف لي أن أقضي الصلوات الفائتة وأنا لا أعرف عددها بالضبط؟
الواقع أني كنت أتوضأ على تلك الصورة فقط في بعض الأوقات من الأسبوع، واستمر ذلك مدة أربعة أشهر.
أنا فعلًا محتارة و لا أعرف ماذا أفعل.
الرجاء الرد سريعًا لأنه كلما كان جوابكم سريعًا، كلما أسرعت في قضاء ما علي تجاه ربي. وبارك الله فيكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
الحمد لله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الذي يعبد الله على جهل فيخطئ دون أن يقصد الخطأ، ثم يأتيه العلم من بعد ذلك فإنه يعافى من الذي كان يخطئه في جهله – إن فات وقت هذه العبادة وانقضى -، ولا يطالب بقضاء.
وإن كان العلم قد جاءه قبل فوات الوقت فإنه يطالب بالقضاء كما سنرى في الحديث الآتي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطالب المسيء في صلاته بما فات وطالبه بالصلاة التي ما زال وقتها داخلا ولم يفت.
وما حال الأخت السائلة إلا كالذي ذكرنا.
ولذا نقول لها لا قضاء عليك وعفا الله عما مضى ولكن لا تعودي إلى مثل هذا.
والدليل على ما ذكرنا:
عن أبي هريرة: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني فقال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها “. رواه البخاري ( 724 ) ومسلم ( 397 ).
وهذا الحديث يعرف عند العلماء بحديث ” المسيء صلاته “، وهو يبين لنا أن هذا الرجل المسيء في صلاته لا يحسن من الصلاة إلا ما صلاه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا يعني أن صلاته قبل أن يراه الرسول صلى الله عليه و سلم كانت سيئة غير تامة منذ أن أسلم.
ثم في الحديث: أن الرسول صلى الله عليه و سلم علمه الصلاة وهذا يعني أن الرجل كان يخطئ في العبادة عن جهل ثم بعد ذلك جاءه العلم، وليس في الحديث ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه و سلم أمره أن يعيد شيئا من صلاته السابقة.
بل الذي يفهم من الحديث أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد شرع له ألا يقضي حيث لم يأمره بالقضاء، ولو كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد أمره بذلك لنقل إلينا ولما خفي.
ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم قد أمره بأن يقضي الصلاة التي لم تزل في الوقت.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث وما شابهه كلاما عظيما جليلا ننقله بطوله: وثبت عنه في الصحيحين أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته: ” صل فإنك لم تصل مرتين أو ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني ما يجزيني في الصلاة “، فعلمه الصلاة المجزية ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك مع قوله ” ما أحسن غير هذا “.
وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة لأن وقتها باق فهو مخاطب بها والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة ووقت الصلاة باق ومعلوم أنه لو بلغ صبي أو أسلم كافر أو طهرت حائض أو أفاق مجنون والوقت باق لزمتهم الصلاة أداءً لا قضاءً، وإذا كان بعد خروج الوقت: فلا إثم عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت عليه الطمأنينة حينئذ ولم تجب عليه قبل ذلك.
فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة تلك الوقت دون ما قبلها وكذلك أمْره لمن صلى خلف الصف أن يعيد، ولمن ترك لمعة من قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة.
وقوله أولا: ” صل فإنك لم تصل “: تبين أن ما فعله لم يكن صلاة ولكن لم يعرف أنه كان جاهلا بوجوب الطمأنينة فلهذا أمره بالإعادة ابتداء ثم علمه إياها لما قال: ” والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا “.
فهذه نصوصه في محظورات الصلاة والصيام والحج مع الجهل فيمن ترك واجباتها مع الجهل وأما أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد فذلك أنه لم يأت بالواجب مع بقاء الوقت فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبي لبقاء وقت الوجوب لم يأمره بذلك مع مضي الوقت، وأما أمره لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها الماء بالإعادة فلأنه كان ناسيا فلم يفعل الواجب كمن نسي الصلاة وكان الوقت باقيا فإنها قضية معينة بشخص لا يمكن أن يكون في الوقت وبعده أعني: أنه رأى في رجل رجل لمعة لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه أبو داود، وقال أحمد بن حنبل: حديث جيد. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 44 – 45 ).
* وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
مع أن الشريعة تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم كما عذر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة فلم يأمره بإعادة ما مضى، وعذر الحامل المستحاضة بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة ولم يأمرها بإعادة ما مضى، وعذر عدي بن حاتم بأكله في رمضان حين تبين له الخيْطان اللذان جعلهما تحت وسادته ولم يأمره بالإعادة، وعذر أبا ذر بجهله بوجوب الصلاة إذا عدم الماء فأمره بالتيمم ولم يأمره بالإعادة، وعذر الذين تمعكوا في التراب كتمعك الدابة لما سمعوا فرض التيمم ولم يأمرهم بالإعادة، وعذر معاوية بن الحكم بكلامه في الصلاة عامدا لجهله بالتحريم، وعذر أهل قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نسخ استقباله بجهلهم بالناسخ ولم يأمرهم بالإعادة، وعذر الصحابة والأئمة بعدهم من ارتكب محرما جاهلا بتحريمه فلم يحدوه. ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 273 ).
والله أعلم.


