هل على المسافر نوافل؟
السؤال
يحتاج المسافر ليقصر صلاة الفريضة في سفره، فهل على المسافر أن يؤدي السنن المؤكدة أيضا، أم يصلي القصر وحسب؟ مثال ذلك، في وقت الظهر، هل على المسافر أن يصلي 4 ركعات السنة مؤكدة، ثم ركعتي الظهر قصرا، ثم ركعتي السنة المؤكدة (البعدية)، أم يصلي ركعتي الظهر قصرا ويكتفي بذلك؟
الجواب
الحمد لله
تسقط عن المسافر نصف الفريضة في صلوات الظهر والعصر والعشاء، فمن باب أولى أن يسقط ما هو دونها وهي السنة الراتبة، التي تكون قبل الفريضة وبعدها.
أما مطلق التطوع فهو جائز ولا بأس به كصلاة قيام الليل أو الضحى أو أي تطوع، أما السنن التي تكون قبل الفريضة وبعدها فهذه لا تصلى في السفر، ولكن يستثنى من ذلك سنة الفجر وسنة الوتر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يتركها لا في السفر ولا في الحضر.
عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى فرأى ناسا قياما فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحو، قال: لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي يا ابن أخي إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب / 21 ]. رواه مسلم ( 689 ).
– معنى قوله: ” مسبحا “: أي مصليًّا صلاة السنة.
وجاء في رواية عن حفص بن عاصم قال: مرضتُ مرضًا فجاء ابن عمر يعودني قال: وسألته عن السُّبحة في السفر فقال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فما رأيته يسبح ولو كنت مسبحا لأتممت، وقد قال الله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [الأحزاب / 21 ]. رواه مسلم ( 689 ).
إذًا ليس على المسافر في سفره من الصلاة إلا المفروضة بدون سننها الراتبة.
واعلم أن القصر في الصلاة على هذه الحال واجب للأدلة السابقة ولحديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. رواه مسلم ( 685 ).
قال ابن حجر:
وأما قول بن عمر ” لو كنت مسبحًا في السفر لأتممت ” كما أخرجه مسلم وأبو داود من طريق حفص بن عاصم عنه فإنما أراد به راتبه المكتوبة لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بيِّن من سياق الحديث المذكور، فقد رواه الترمذي من وجه آخر بلفظ: سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين لا يصلون قبلها ولا بعدها فلو كنت مصليًّا قبلها أو بعدها لأتممتُ – الترمذي ( 544 ) -. ” فتح الباري ” ( 2 / 489 ).
وأما غير السنن الرواتب التي تكون مع الفريضة – قبلها أو بعدها – فلا خلا ف في مشروعيتها في السفر.
قال الزرقاني:
قال الباجي: لا خلاف بين الأمة في جواز التنفل للمسافر بالليل، قال عامر بن ربيعة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت، رواه الشيخان. ” شرح الزرقاني ” ( 1 / 428 ).
وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى – مفصلا ومبينا للمسألة:
وكان من هديه في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر فإنه لم يكن ليدعهما حضرًا ولا سفرًا، قال ابن عمر – وقد سئل عن ذلك – فقال: صحبتُ النبي فلم أره يسبح في السفر، وقال الله عز وجل: { لقد كان لك في رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب / 21 ]، ومراده بالتسبيح السنة الراتبة وإلا فقد صح عنه أنه كان يسبِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: كان رسول الله يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت يومىء إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته.
قال الشافعي -رحمه الله -: وثبت عن النبي أنه كان يتنفل ليلًا وهو يقصر، وفي الصحيحين عن عامر بن ربيعة أنه رأى النبي يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته، فهذا قيام الليل، وسئل الإمام أحمد – رحمه الله – عن التطوع في السفر فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس، وروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر.
وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي أنه كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئا ولكن لم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة، ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها وفد خفف الفرض إلى ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر وإلا كان الإتمام أولى به ولهذا قال عبدالله بن عمر: لو كنت مسبحا لأتممت.
” زاد المعاد ” ( 1 / 473 – 475 ).
أما الوتر وسنة الصبح فتصلى في السفر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يدعها لا في سفر ولا حضر.
أما الوتر:
عن سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة فقال: سعيد فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ثم لحقته فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح فنزلت فأوترت فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير. رواه البخاري ( 954 ) ومسلم ( 700 ).
وأما راتبة الصبح:
عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم …… ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم قال وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبنا معه …. الحديث بطوله.
رواه مسلم – بهذا اللفظ – ( 681 )، وأصله في البخاري.
الغداة: يعني صلاة الصبح.
فقوله صلى ركعتين هما ركعتا سنة الفجر.
والله أعلم.


