الجمع بين الصلاتين لغير عذر المطر والسفر
السؤال
– أرجو أن تبين لي كيف ينظر مختلف العلماء إلى الأحاديث التالية :
” صلى النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام في المدينة ، وهو مقيم ، لم يكن مسافراً ، سبعا وثمانياً ( وفيهما إشارة إلى الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء ، وصلاتي الظهر والعصر ) . ” مسند الإمام بن حنبل ، المجلد الأول ، الصفحة 221 .
يقول ابن عباس : ” صلى النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام ، الظهر والعصر جمعاً ، والمغرب والعشاء جمعا دون ما سبب من خوف أو سفر . ” موطأ مالك ( إمام المالكية ) ، المجلد الأول ، الصفحة 161 .
أما في صحيح مسلم ، فيمكنك الوصول إليه في باب ” الجمع في الصلاة ، إذا كان الرجل مقيماً ” : عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى الظهر والعصر سويا ، والمغرب والعشاء سويا ، ولم يكن هناك خوف أو سفر ، النسخة الإنجليزية من صحيح مسلم ، الباب 250 ، الحديث رقم 1515 .
روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خطر ولا مطر ، وفي الحديث الذي نقله وكيع : ” قلت لابن عباس ما الذي دفعه لذلك ؟ قال : حتى لا توضع أمته ( عليه السلام ) في المشقة ( غير الضرورية ) . ” النسخة الإنجليزية من صحيح مسلم ، الباب 250 ، الحديث 1520 .
وقد روى عبد الله بن شقيق أن ابن عباس وعظنا بعد المغرب ( بعد الصلاة ) حتى اختفت الشمس ، وظهرت النجوم ، وأخذ الناس يقولون : الصلاة ، الصلاة ، فأتى رجل من بني تميم إلى هناك ، ولم يبطئ ولم ينصرف ، لكنه ( استمر يصيح ) : الصلاة ، الصلاة ، قال ابن عباس : ثكلتك أمك ، أتعلمني السنة ؟ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، قال عبد الله بن شقيق : شككت في المسألة ، فأتيت أبا هريرة وسألته ( عن ذلك ) ، فأثبته ، النسخة الإنجليزية من صحيح مسلم ، الباب 250، الحديث 1523 .
وقد روى عبد الله بن شقيق العقيلي أن رجلا قال لابن عباس ( عندما أخر الصلاة ) : الصلاة ، فلم ينطق ، قال أخرى : الصلاة ، فاستمر صامتا ولم ينطق ، فصاح : الصلاة ، فاستمر صامتا ، ثم قال : ثكلتك أمك ، أتعلمنا الصلاة ؟ كنا نجمع الصلاتين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، النسخة الإنجليزية من صحيح مسلم ، الباب 250 ، الحديث رقم 1524 .
روى ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى جمع الظهر والعصر في المدينة دون خوف أو سفر ، قال أبو الزبير : سألت سعداً ( أحد الرواة ) عن السبب ، فقال : سألت ابن عباس عن ذلك ، فأجاب أن ( النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ) لم يرد أن يجد أي فرد من الأمة مشقة ( غير ضرورية ) ، النسخة الإنجليزية لصحيح مسلم ، الباب 250 ، الحديث رقم 1516 .
وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المدينة سبع ( ركعات ) وثماني ( ركعات ) ، أي ( أنه جمع ) الظهر والعصر ( ثماني ) والمغرب والعشاء ( سبعا ) النسخة الإنجليزية من صحيح مسلم ، الباب 250 ، الحديث 1522 .
الأحاديث أعلاه تخبر بجواز الجمع من غير خوف أو سفر ، وهي أحاديث موجودة في الصحاح ، فلماذا يقال بأن الصلوات لا تجمع إلا في السفر أو الخوف أو المطر ؟ .
وجزاك الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في السفر .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما ، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب . رواه البخاري ( 1060 ) ومسلم ( 704 ) .
ثانياً :
وثبت جواز الجمع في المطر .
وسيأتي ذِكر ذلك من حديث عبد الله بن عباس .
وقد ثبت عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – الجمع ومنهم ابن عمر .
عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم . رواه مالك في ” الموطأ ” ( 333 ) .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
لا حرج في الجمع بين المغرب والعشاء ولا بين الظهر والعصر في أصح قولي العلماء للمطر الذي يشق معه الخروج إلى المساجد ، وهكذا الدحض والسيول الجارية في الأسواق لما في ذلك من المشقة . والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما :
أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، زاد مسلم في روايته : ” من غير خوف ولا مطر ولا سفر “.
فدل ذلك على أنه قد استقر عند الصحابة رضي الله عنهم أن الخوف والمطر عذر في الجمع كالسفر … ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / ؟ ) .
ثالثاً :
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا مطر ولا سفر ، وقد فعل ذلك لكي لا يحرج أصحاب الأعذار من الجمع .
عن ابن عباس قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر ، قال – أي : سعيد بن جبير – : قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمته . رواه مسلم ( 705 ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
والقصر سببه السفر خاصة لا يجوز في غير السفر وأما الجمع فسببه الحاجة والعذر فإذا احتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل وكذلك الجمع للمطر ونحوه وللمرض ونحوه ولغير ذلك من الأسباب فإن المقصود به رفع الحرج عن الأمة . ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 293 ) طبعة مجمع الملك فهد .
والعذر الذي يجوز معه الجمع بين الصلاتين كثير ، ومنه :
من أراد أن يسافر وغلب على ظنه عدم استطاعته أداء الصلاة في طريق السفر ، فيجمع في بلده قبل خروجه من غير قصر .
المريض الذي يشق عليه دخول الخلاء أو الطهارة لكل صلاة .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
يجوز الجمع لمريض يلحقه بترك الجمع مشقة ، أي : تعب وإعياء ، أيَّ مرض كان ، سواء كان صداعاً في الرأس ، أو وجعاً في الظهر ، أو في البطن ، أو في الجلد ، أو في غير ذلك ، ودليل ذلك ما يلي :
- عموم قول الله تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ البقرة : من الآية 185 ] ، وقوله { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : من الآية 78 ] .
- حديث ابن عباس : ” جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر ” قالوا : فإذا انتفى الخوف والمطر ، وهو في المدينة : انتفى السفر أيضاً ، ولم يبق إلا المرض ، وقد يكون هناك عذر غير المرض ، ولكن ابن عباس سئل لماذا صنع ذلك ؟ قال : ” أراد أن لا يحرج أمته ” أي : أن لا يلحقها حرج في عدم الجمع ، ومن هنا نأخذ أنه متى لحق المكلف حرج في ترك الجمع : جاز له أن يجمع ، ولهذا قال المؤلف : ” ولمريض يلحقه بتركه مشقة ” .
وفهم من قول المؤلف : أنه لو لم يلحقه مشقة : فإنه لا يجوز له الجمع ، وهو كذلك .
فإذا قال قائل : ما مثال المشقة ؟ قلنا : المشقة أن يتأثر بالقيام والقعود إذا فرَّق الصلاتين ، أو كان يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة ، والمشقات متعددة .
فحاصل القاعدة فيه : أنه كلما لحق الإِنسانَ مشقةٌ بترك الجمع : جاز له الجمع حضراً وسفراً. الشرح الممتع ” ( 4 / 390 ، 391 ) .
الطبيب الجرَّاح الذي لا يمكنه ترك المريض أثناء العملية .
ويجوز للمسلم أن يجمع بين الصلاة جمع تأخير للحاجة كأن خشي أن يفوته أمر مهم يترتب على تأخيره فساده أو مفسدة والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا حضر أحدَكم الأمرُ يخشى فوته فليصل هذه الصلاة “. رواه النسائي ( 597).
والحديث : صححه العلامة الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1370 ) .
قال الشيخ ابن عثيمين :
فأسباب الجمع هي: السفر ، والمرض ، والمطر ، والوحل ، والريح الشديدة الباردة ، ولكن لا تنحصر في هذه الأسباب الخمسة ، بل هذه الخمسة التي ذكرها المؤلف كالتمثيل لقاعدة عامة وهي : المشقة ، ولهذا يجوز الجمع للمستحاضة بين الظهرين ، وبين العشائين لمشقة الوضوء عليها لكل صلاة ، ويجوز الجمع أيضاً للإِنسان إذا كان في سفر وكان الماء بعيداً عنه ، ويشق عليه أن يذهب إلى الماء ليتوضأ لكل صلاة ، حتى وإن قلنا بعدم جواز الجمع في السفر للنازل ، وذلك لمشقة الوضوء عليه لكل صلاة.” الشرح الممتع ” ( 4 / 393 ) .
والله أعلم.


