هل ندعو الله الدعاء العام قبل السلام؟

السؤال

هل ندعو الله الدعاء العام قبل السلام ( كما ذكر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقع ) أم أنه بعد السلام ( كما كنت أعرف دائماً ) شكراً لكم.

الجواب

الحمد لله

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الدعاء العام والخاص الوارد في الصلاة إنما يكون في صلبها لا بعدها ، واستدل على ذلك بأن الإنسان في صلاته يكون مقبلاً على ربه فناسب أن يكون دعاؤه في حال أولى من دعائه بعد انصرافه من الصلاة .

وقال رحمه الله إن لفظ ” دبر الصلاة ” الوارد في بعض الروايات لا يخالف هذا ، لأن دبر الشيء في آخره كدبر الحيوان يكون في آخر جسمه . انظر ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 499 ، 504 ، 512 ، 516 ) .

ورأى آخرون أن لفظ ” دبر ” الوارد في الروايات يعني : بعد الانتهاء من الصلاة .

والصواب : التوسط بين القولين ، وهو أن بعض الأدعية تكون بعد السلام وبعضها تكون قبله ، وما لم يأت فيه نص أنه في آخره : فيكون في صلب الصلاة للمعنى الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله .

وهذا التوسط هو ما رجَّحه الإمام ابن القيم رحمه الله .

قال :

والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها ، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة إذ كان يدعو في صلبها ، فأما بعد الفراغ منها فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء ، ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه ، وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحياناً يدعو بدعاء عارض بعد السلام ، وفي صحته نظر .

وبالجملة : فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها وعلَّمها الصديق إنما هي في صلب الصلاة ، وأما حديث معاذ بن جبل ” لا تنس أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ” : فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها كدبر الحيوان ، ويراد به ما بعد السلام كقوله ” تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ” الحديث، والله أعلم. “زاد المعاد” ( 2 / 286).

وهذا لا يمنع الإنسان من الدعاء العام بعد التسبيح والتحميد وذكر ما جاء في السنة مما يأت به المصلي بعد الصلاة .

قال ابن القيم :

وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين ، فلم يكن ذلك من هديه  صلى الله عليه وسلم أصلاً ، ولا روي عنه بإسناد صحيح ، ولا حسن ، وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر ، فلم يفعل  ذلك هو ولا أحد من خلفائه ، ولا أرشد إليه أمته ، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً من السنة بعدهما والله أعلم .

وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي ، فإنه مقبل على ربه ، يناجيه ما دام في الصلاة ، فإذا سلّم منها ، انقطعت تلك المناجاة ، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه ، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه ، والإقبال عليه ، ثم يسأله إذا انصرف عنه ؟! ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي ، إلا أن هاهنا نكتة لطيفة ، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته ،وذكر الله وهلّله وسبّحه وحمده وكبّره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة ، استحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، ويدعو بما شاء ، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية ، لا لكونه دبر الصلاة ، فإن كل من ذكر الله ، وحمده ، وأثنى عليه ، وصلى على رسول الله  صلى الله عليه وسلم استحب له الدعاء عقيب ذلك ، كما في حديث فضالة بن عبيد ” إذا صلّى أحدكم ، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ، ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثمّ ليدع بما شاء ” .

قال الترمذي : حديث صحيح  وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .

” زاد المعاد ” ( 1 / 257 ، 258 ) .

وقد فهم بعض الناس أنه يمنع الإنسان من ذلك فراحوا ينكرون الدعاء بعد الصلاة ، وإنما أراد الأئمة الإنكار على من دعا دعاءً بدعيّاً كالدعاء الجماعي ، أو دعا قبل الأذكار المشروعة .

قال الشيخ بكر أبو زيد :

قرَّر العلاَّمة ابن القيم – رحمه الله تعالى – أنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بعد السلام من الصلاة وهو مستقبل القبلة .. وقد غلط عليه بعضهم ففهم نفيه الدعاء بعد السلام مطلقاً ، وهذا غير صحيح ، وإنما مراده استمرار الإمام بعد السلام وهو يدعو مستقبلاً القبلة قبل الانفتال واستقبال المأمومين ، أو أن يدعو قبل الذكر الوارد ، فإن الدعاء عبادة ثانية بعد الذكر والتسبيح . ” تصحيح الدعاء ” ( ص 434 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة