هل يجمع بين الصلوات بعذر الدراسة؟ وما درجة هذا الحديث؟
السؤال
ما حكم من يجمع بين الصلوات ؟ وكيف نوفق بين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم – بما معناه – ” ويل لمن يجمع بين صلاتين ” ، وفعله صلى الله عليه وسلم : ” أنه جمع بين صلاتين بدون خوف أو مطر ” ؟ .
علماً أن النهار هنا قصير جدّاً – 8 ساعات تقريباً – فيمر الظهر والعصر والمغرب ونحن ما نزال في الدراسة أو العمل ، وأحيانا يمر الظهر والعصر ونحن داخل الحصة أو المحاضرة أو في وسيلة المواصلات الخ ، بمعنى أنه قد لا تتوافر مدة كافية للصلاة .
– أفتونا في ذلك ، وماذا يتوجب على من جمع بين الصلوات في غير وقتها ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
الجمع بين الصلوات رخصة في السفر مطلقاً ، وفي الحضر حيث يوجد حرج شرعي .
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلوات بدون سبب محدَّد ، وقد فعله في المدينة مرة واحدة.
عن ابن عباس قال : صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر . رواه البخاري ( 537 ) ومسلم ( 704 ) – واللفظ له – .
وفي لفظ آخر لمسلم ( 705 ) : عن ابن عباس قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر ، قال – أي : سعيد بن جبير – : قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمته .
ولا يجوز الجمع لأدنى سبب ، كما لا يجوز أن يكون الجمع ديدنه ، فإذا كان المسلم لا يقدر على أداء إحدى الصلاتين في وقتها : فيجوز له الجمع .
وقد ثبت عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – الجمع ومنهم ابن عمر .
قال الشيخ ابن عثيمين :
فأسباب الجمع هي: السفر ، والمرض ، والمطر ، والوحل ، والريح الشديدة الباردة ، ولكن لا تنحصر في هذه الأسباب الخمسة ، بل هذه الخمسة التي ذكرها المؤلف كالتمثيل لقاعدة عامة وهي : المشقة ، ولهذا يجوز الجمع للمستحاضة بين الظهرين ، وبين العشاءين لمشقة الوضوء عليها لكل صلاة ، ويجوز الجمع أيضاً للإِنسان إذا كان في سفر وكان الماء بعيداً عنه ، ويشق عليه أن يذهب إلى الماء ليتوضأ لكل صلاة ، حتى وإن قلنا بعدم جواز الجمع في السفر للنازل ، وذلك لمشقة الوضوء عليه لكل صلاة . “الشرح الممتع ” ( 4 / 393 ) .
ثانياً :
وأما بالنسبة لحديث ” من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر ” : فهو حديث ضعيفٌ جدّاً ، ومثله لا يعارض ما صح من الأحاديث في إثبات الجمع ، مع أن لفظه ” من غير عذر ” ، ويمكن حمله على من كان الجمع ديدنه كما هو حال الرافضة .
والحديث روي مرفوعًا من طريق حنش عن عكرمة عن ابن عباس ، وقد أخرجه الترمذي ( 188 ) وقال : ” وحنش هذا هو أبو علي الرحبي ، وهو حسين بن قيس ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه أحمد وغيره ” ، وقال الدارقطني : “أبو علي الرحبي متروك ” ، وضعفه أيضًا البيهقي والذهبي متعقبًا تصحيح الحاكم ، وقال الحافظ في ” التهذيب ” ( 2 / 365 ) : ” لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به ، ولا أصل له ” ، وقال الألباني في ” ضعيف الجامع ” ( 5556 ) : ” ضعيف جدّاً ” .
ثالثاً :
الصلاة لها أوقات معينة ، أوضحها الله في كتابه ، ورسوله في سنته ، والواجب على المسلم أن يحافظ عليها ، ومن رحمة الله أن جعل وقت الصلاة موسعا ، فلا يشترط تأدية الصلاة في أول وقتها ، بل قد تؤدى في أي جزء من وقت الصلاة ، وبعض الأعذار موهومة ، ومنها عذر الجمع للدراسة ، فلو استأذن الطلبة المصلون لسمح لهم بأداء الصلاة في أغلب الأحيان ، ولو اهتموا بهذا الأمر لأمكنهم الصلاة في وقتها ، ويدل على ذلك : أنه لو استأذن أحدهم للذهاب لقضاء الحاجة لسمح له ، ولو استغرقت الدراسة وقت الصلاتين المجموعتين كاملاً لما تردد في الخروج بأي طريقة كانت .
فالأصل – إذن – أداء الصلوات في أوقاتها الشرعية ، والطالب إذا كان مسافراً فأمر جمعه يسير ، وهو معذور فيه ، وإن لم يكن مسافراً فعليه بذل الوسع لأداء الصلاة في وقتها ، فإن لم يتمكن : فيرجى أن يجوز له الجمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، على أن لا يكون الجمع دائما بل في وقت الضرورة وعدم استطاعة الخروج من الفصل .
سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :
نحن مجموعة من الفتيات طالبات في جامعة ” عدن ” ومواظبات على أداء الصلاة في أوقاتها ولكن أثناء الدراسة وخاصة عندما تكون الدراسة بعد الظهر قد تفوت علينا صلاة العصر والمغرب لأننا لا نستطيع أن نؤديها في الجامعة مهما حاولنا ذلك ولأسباب كثيرة ولهذا نحن نسأل هل يجوز أن نؤدي صلاة العصر مع الظهر جمع تقديم ونؤدي المغرب مع العشاء جمع تأخير وبذلك نسلم من ترك هذين الفرضين كليًّا أو نسلم من تأديتها قضاء كما يفعل بعضنا أحيانًا .
فأجاب :
أولاً : إذا أمكن أن تؤدينّ الصلاة في وقتها وفي أثناء الدراسة : فهذا أمر واجب وذلك بمراجعة المسؤولين في الجامعة لأن يتيحوا لكنّ وقتًا للصلاة تصلينّ فيه وترجعن إلى العمل ، وهذا أمر سهل لا يكلف شيئًا ، ولا يأخذ كثيرًا من الوقت ، وهو أمر ميسور ، فإذا أمكن أن تحصلن على فرصة لأداء الصلاة في وقتها في أثناء الدراسة : فهذا أمر واجب ومتعين .
أما إذا لم يمكن هذا وحاولتنّ الحصول عليه ولم يتحقق : فهنا إن كانت الدراسة ضرورية وفي تركها ضرر عليكنّ : فلا أرى مانعًا من الجمع بين الصلاتين على الصفة التي وردت في السؤال بأن تصلي العصر مع الظهر جمع تقديم ، وتصلي المغرب مع العشاء جمع تأخير ؛ لأن هذا يعتبر من الأعذار المبيحة للجمع ؛ لأن الفقهاء ذكروا أن من الأعذار المبيحة للجمع أن يتضرر بترك معيشة يحتاجها ، فإذا كان ترك الدراسة فيه ضرر عليكن ، ولم تحصلن على فرصة من المسؤولين لأداء الصلاة في أثناء العمل : فالذي أراه جواز الجمع في هذه الحالة .
أما أن تصلى الصلاة قضاء كما ورد في السؤال : فهذا لا يجوز أن تصلى بعد خروج وقتها . ” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 4 / 29 ، 30 ) .
والله أعلم.


