ما هي درجة النعاس المنهي عن الصلاة فيها؟
السؤال
قرأت في البخاري أحاديث تقول بأن على المسلم ألا يصلي وهو يشعر بالنعاس ، لكني لم أكن أعرف ما هي درجة النعاس المقصودة من تلك الأحاديث ، ولذلك ، فقد حدث أن صليتُ عدة مرات وأنا أشعر بالنعاس . وكان ذلك لأني كنت متعبة جدّاً لدرجة أني (ظننت) إن أنا نمت فإني لن أتمكن من الاستيقاظ بعد 7 ساعات أو ما يقاربها ، كما أني إن أنا نمت فإن وقت الصلاة سيخرج ، فهل عليَّ أن أعيد تلك الصلوات ؟ (لأني صليت وأنا أعلم بأن المسلم لا يجوز له أن يصلي وهو يشعر بالنعاس ، وأفيدكم بأن درجة النعاس لم تكن كبيرة ، حيث أنه لم يكن يغلبني ، فقد كنت أفهم ما أقوله ) .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
الواجب على المسلم أن يَدخل في صلاته بين يدي ربه وهو في قواه العقلية والذهنية ، وقد جاء الشرع المطهر بهذا في مناسبات كثيرة ، مثل النهي عن الصلاة بحضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان – البول والبراز – . عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا صلاة بحضرة الطعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان ” . رواه ومسلم ( 560 ) .
وكذا نهى الشارعُ الذي شرب المسكر – قبل البتّ في تحريمها – عن الصلاة وعلَّل ذلك بقوله { حتى تعلموا ما تقولون } ، وهي العلّة ذاتها في النهي عن صلاة من غلبه النعاس .
عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا نَعَسَ أحدكم وهو يصلِّي فليرقد حتى يذهب عنه النوم ؛ فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسبّ نفسه ” .
رواه البخاري ( 209 ) رواه مسلم ( 786 ) .
وعن أنس عن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال : ” إذا نَعَسَ أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ ” . رواه البخاري ( 210 ) .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : ” إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع ” . رواه مسلم ( 787 ) .
قال النووي :
قوله صلى الله عليه وسلم ” إذا نَعَسَ أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم ” إلى آخره : نَعَسَ بفتح العين ، وفيه : الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط ، وفيه : أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار ، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور لكن لا يخرج فريضة عن وقتها .
قال القاضي : وحمله مالك وجماعة على نفل الليل لأنه محل النوم غالباً .
قوله صلى الله عليه وسلم ” فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ” قال القاضي : معنى يستغفر هنا يدعو .
قوله صلى الله عليه وسلم ” فاستعجم عليه القرآن ” أي : استغلق ولم ينطلق به لسانه لغلبة النعاس . ” شرح مسلم ” ( 6 / 74 ، 75 ) .
وعليه : فالظاهر أن الحديث عام في الفرض والنفل كما هو قول الجمهور ، وأن النعاس الذي لا يجوز الدخول في الصلاة به هو النعاس الذي يمنع صاحبه من التفكر فيما يقول ، ويخلط به بين الدعاء والسبّ ، وأما إذا كان النعاس لم يصل به لهذه الدرجة فليس عليه شيء لو دخل به في صلاته .
وعلى المسلم أن يهيئ نفسه قبل الوقوف بين يدي ربه تعالى ، وعليه أن لا يستهين بالصلاة ، وليأخذ بالأسباب التي تنشطه فيها كنومه قبلها أو حسن وضوئه وغسل وجهه .
ثانياً :
وأما بالنسبة لإعادة الصلوات فهو واجب على كل من تركها بعذر شرعي وهذه الأعذار هي النوم والنسيان ، فعلى من نسي أو نام عن الصلاة حتى خرج وقتها أن يصليها بعد تذكره أو استيقاظه من نومه . عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من نسي صلاة ليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ” . رواه البخاري ( 572 ) ومسلم ( 680 ) .
لكن لا بدَّ من التنبيه على أمرٍ مهمٍّ وهو أنه وإن كان النائم معذوراً أثناء نومه في تفويت الصلاة فإنه قد لا يكون معذوراً في اليقظة ، فقد يكون حصل منه تفريطٌ في يقظته مما أدَّى به للنوم قبل الصلاة ففاتت صلوات عليه أثناء نومه .
عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إنه لا تفريط في النوم وإنما التفريط في اليقظة “. رواه الترمذي (177) وأبو داود (473) والنسائي ( 615 ) وابن ماجه ( 698).
وصححه ابن خزيمة ( 1 / 214 ) وقال ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 177 ) : إسناده على شرط مسلم .
وأصل الحديث في الصحيحين ، وأصل اللفظة في مسلم ولفظها عنده ” ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها ” .
والله أعلم.


