هل الحج يكفر حتى ترك الصلاة؟

السؤال

الحج عن الغير، هل يغفر ذنوب الذي لم يحج وبخاصة ذنب ترك الصلاة، سواء كان الذي لم يحج أوصى بذلك أو لم يوص؟ وهل يغفر ذنب الذي يحج عن نفسه وبخاصة ذنب ترك الصلاة؟.

نرجو منكم إجابتنا مع الأدلة ورأي العلماء في ذلك.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

قولك في مرتين (خاصة ذنب ترك الصلاة ) فهو تركيز منك على أن الصلاة تركها ذنبه عظيم عند الله وهو كذلك، فقد أجمع الصحابة على كفر تارك الصلاة، وذهب قوم إلى أن تارك الصلاة ليس بكافر، ولكن الصحيح أن تارك الصلاة كافر مرتد.

عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “. رواه الترمذي ( 2545 ) والنسائي ( 459 ) وابن ماجة (1069 ).

قال الوادياشي:

رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ولا نعرف له علة.  ” تحفة المحتاج ” ( 1 / 575 ).

وعن أبي سفيان قال: سمعت جابرًا يقول:  سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة  “. رواه مسلم ( 116 ).

فعليه ذهب عامة الصحابة إلى تكفير تارك الصلاة، ومن السلف: عبد الله بن شقيق، وإبراهيم النخعي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك، والحكم بن عتيبة … وغيرهم.

وهي أول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة، فإن صلحت: صلح عمله كله، وإن فسدت: فسد عمله كله.

ولكن سواء أكان تارك الصلاة كافرًا أو غير كافر فإنه بالتوبة أصبح من المسلمين، فإن تاب وحجَّ نرجو أن تكون ذنوبه كله مغفورة إلا ما كان من حق العباد.

وإن كان تارك الصلاة غير كافر – على مذهب العلماء الآخرين -: فإن الله تعالى يغفر للحاج الذي يحج حجًا مبرورًا.

عن أبي هريرة : ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ فقال: الإيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج    مبرور “.

رواه البخاري ( 26 ) ومسلم ( 83 ).

والحج المبرور معناه:

1-      أن يكون من مالٍ حلال.

2-      أن يبتعد عن الفسق الإثم والجدال فيه.

3-      أن يأتي بالمناسك وفق السنة النبوية.

4-      أن لا يرائي بحجه، بل يخلص فيه لربه.

5-      أن لا يعقبه بمعصية أو إثم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه “. رواه البخاري ( 1449 ) ومسلم ( 1350 ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة  “.  رواه البخاري ( 1683 ) ومسلم ( 1349 ).

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” … وأن الحج يهدم ما كان قبله “. رواه مسلم ( 121 ).

فإن حج المسلم حجًا لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه، وجاء بما أوجبه الله عليه، ولم يقترف بحجه المحرمات: فعسى أن يكون هذا الحاج ممن حج حجًا تغفر له ذنوبه عند الله كلها إلا الحقوق التي للعباد، فإن الله تعالى لا يغفرها حتى يُرجع للناس ما عليه من الحقوق المادية والعينية كالأمانة والرهن والدين وما أشبه ذلك؛ وذلك لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها.

قال ابن حجر:

قوله: ” رجع كيوم ولدته أمه “: أي بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري.

قال الطيبي: الفاء في قوله ” فلم يرفث “: معطوف على الشرط، وجوابه: رجع، أي: صار، والجار والمجرور: خبر له، ويجوز أن يكون حالا، أي: صار مشابها لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه ا.هـ وقد وقع في رواية الدارقطني المذكورة: ” رجع كهيئته يوم ولدته أمه “.

وقال في موضع آخر:

وقوله: ” كما ولدته أمه “، أي: عاريا من الذنوب، وللترمذي من طريق ابن عيينة عن منصور: ” غفر له ما تقدم من ذنبه “. ” فتح الباري” ( 4 / 20 ).

ثانيًا:

أما الحج عن الآخرين ففيه أقوال:

  1. قال بعضهم : يجب الحج عن الميت أوصى بذلك أو لم يوص لأن الحج حق مادي كما أنه حق شرعي وإذا مات المسلم وجب على ورثته رد الحقوق المادية إلى أصحابها والحج أحدها، مستدلين بأحاديث نذكر منها هذا الحديث:

عن ابن عباس رضي الله عنهما: ” أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية اقضوا الله فالله أحق بالوفاء “. رواه البخاري ( 1754 ).

ودل على وجوب التحجيج عن الميت سواء أوصى أم لم يوص؛ لأن الدين يجب قضاؤه مطلقا، وكذا سائر الحقوق المالية من كفارة ونحوها، وإلى هذا ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي. ” سبل السلام ” ( 2 / 182 ).

  1. وقال آخرون: يستحب الحج عن الآخرين ولا يجب:

قال القرطبي:

وقال ابن حبيب: جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج وأن يحج عنه ولده وإن لم يوص به ويجزئه إن شاء الله تعالى. ” تفسير القرطبي ” ( 4 / 152 ).

وقال القرطبي – أيضًا -: 

” أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم ” ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوعات وإيصال البر والخيرات للأموات، ألا ترى أنه قد شبه فعل الحج بالديْن، وبالإجماع لو مات ميت وعليه دين: لم يجب على وليه قضاؤه من ماله، فإن تطوع بذلك تأدى الدين عنه، ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها ” لا يستطيع ” ومن لا يستطيع لا يجب عليه، وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة، فلا يجوز ” تفسير القرطبي ” ( 4 / 152 ).

ويشير القرطبي إلى رواية حديث الخثعمية وفيه: ” إن أبي لا يستطيع أن يقوم على الراحلة أفحج عنه؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم. والحديث في الصحيحين.

  1. وقال بعضهم: لا يحج أحد عن أحد أوصى أو لم يوص:

قال ابن حجر:

فروى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح: لا يحج أحدٌ عن أحدٍ، ونحوه عن مالك والليث، وعن مالك أيضا: إن أوصى بذلك: فليحج عنه، وإلا فلا.  ” فتح الباري ” ( 4 / 66 ).

وفسَّر بعض العلماء معنى كلام الإمام مالك أنه لا يحج أحد عن أحد أي: أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه.

قال الشنقيطي:

واعلم أن ما اشتهر عن مالك مِن أنه يقول: لا يحج أحدٌ عن أحدٍ معناه عنده: أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض، والمعضوب عنده ليس بقادر، وأحرى الميت، فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلا بوصية … ” أضواء البيان ” ( 5 / 104 ، 105 ).

  1. وقال بعضهم: يحج عنه إن أوصى، وإن لم يوص فلا يحج، وهو قول مالك كما قال ابن حجر فيما نقلناه عنه سابقًا.
  2. وقال بعضهم: لا يحج عنه إن فرط في الحج في حياته.

قال القرطبي:

ولهذا قال علماؤنا: أن من مات ولم يحج وهو قادر، فالوعيد يتوجه عليه ولا يجزىء أن يحج عنه غيره لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد والله أعلم.

وقال سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه.

” تفسير القرطبي ” ( 4 / 154 ).

– والوعيد المشار إليه في كلام القرطبي هو: قوله تعالى { ومن كفر فإن الله غنيٌّ عن العالمين }.

  1. وقال بعضهم: يجوز الحج عن الميت وإن فرط بالحج.

قال ابن حجر:

وقال ابن العربي: حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أن ليس للإنسان إلا ما سعى رفقًا من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقا. ” فتح الباري ” ( 4 / 70 ).

فقوله: ” باستدراك ما فرط فيه المرء ” يدل على أن المفرط في الحج يجوز الحج عنه.

والصحيح من الأقوال هذه – والله تعالى أعلم – هو: جواز الحج عن الميت أوصى بذلك أم لم يوص، ولو كان مفرطًا.

قال الشنقيطي رحمه الله:

وقد قدَّمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج فورًا، وعليه فلو فرَّط وهو قادر على الحج حتى مات مفرِّطًا مع القدرة: أنه يُحجُّ عنه من رأس ماله إن ترك مالًا؛ لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته، فكانت ديْنًا عليه، وقضاء ديْن الله: صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال: ” فدَيِن الله أحق أن يُقضى “.

أما من عاجله الموت قبل التمكن: فمات غير مفرِّط: فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه ولا دَيْن لله عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته، ولن يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ” أضواء البيان ” ( 5 / 104 ).

ومن فتاوى اللجنة الدائمة:

إذا مات المسلم ولم يقض فريضة الحج وهو مستكمل لشروط وجوب الحج: وجب أن يُحجَّ عنه من ماله الذي خلَّفه سواء أوصى بذلك أم لم يوص.

وإذا حجَّ عنه غيره ممن يصح منه الحج وكان قد أدى فريضة الحج عن نفسه: صحَّ حجه عنه وأجزأ في سقوط الفرض عنه.

عبد العزيز بن باز، عبد الرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله بن قعود

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 100 ).

ثالثًا:

أما هل يحصل غفران الذنوب للحاج أم المحجوج عنه؟: فالصحيح أن الأجر يقع لهما لعموم قوله: ” من حج ” فلم يبين أنه حج عن نفسه أو عن غيره.

قال الإمام ابن حزم:

عن داود أنه قال:  قلت لسعيد بن المسيب: يا أبا محمد لأيهما الأجر أللحاج أم للمحجوج عنه؟ فقال سعيد:  إن الله تعالى واسع لهما جميعا.

قال أبو محمد – يعني ابن حزم -: صدق سعيد رحمه الله.

” المحلى ” ( 7 / 61 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة