أداء من لا يستطيع الحج للعمرة

السؤال

كنت أفكر في تقديم تذكرة سفر لأداء العمرة لأحد الأقارب،  لكن أحد الأقارب قال: بما أن الحج ليس واجبا على هذا الشخص, فإنه لا يجب عليه أن يعتمر،  وكنت أقصد أن الحج محدد الوقت (باليوم والشهر) بينما العمرة يمكن تأديتها في أي وقت من العام،  وأن كون هذا الشخص لا يستطيع تأدية الحج, فإن ذلك لا يمنعه من تأدية مناسك العمرة، وإذا نظرنا إلى صيام رمضان, فإذا لم يتمكن الشخص من الصيام خلال الشهر لسبب مقبول شرعا, فإن ذلك لا يمنعه من صيام أي يوم آخر خلال أيام السنة, وإن كان ذلك صيام نافلة.

هل صحيح أن الشخص إذا لم يتمكن من تأدية الفريضة, فإنه يجب عليه ألا يؤدي النافلة (من جنس ذلك العمل)؟

ما أعلمه هو أن هذا النقاش لا ينطبق على الصلاة لأنه لا يجوز للمسلم أن يُفوّت الفريضة ويؤدي نافلة فقط بدلا عنها, لكن بخصوص الحج والعمرة, فقد كنت أرى الموضوع يخالف ذلك،  أرجو أن تجيب على سؤالي مستدلا بالقرآن والحديث ما أمكن ذلك.

وجزاك الله خيرا.

الجواب

الحمد لله

لقد ورد إلينا هذا السؤال بنفس الصيغة والقصة، وقد أجبنا عليه هناك ونزيد هنا قليلاً تتمة للجواب على آخر السؤال:

أولا:

أخطأ من قال لك: إنه لا يجوز للرجل فعل العمرة قبل الحج، كون هذا مما لا دليل عليه، بل هو جائز، فقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك إجماع العلماء.

والدليل على ذلك: عن عكرمة بن خالد: سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن العمرة قبل الحج، فقال: لا بأس، قال عكرمة: قال ابن عمر: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج”. رواه البخاري(1684).

عن أبي إسحاق قال: سألت مسروقاً وعطاء ومجاهداً فقالوا: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج، وقال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. رواه البخاري(1689).

قال الشافعي: أخبرنا مالك عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أنه قال: والله لأن أعتمر قبل أن أحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة، فقلت للشافعي: فإنا نكره العمرة قبل الحج، قال الشافعي: فقد كرهتم ما رويتم عن ابن عمر أنه أحبه منها، وما رويتم عن عائشة أنها قالت: ” خرجنا مع رسول الله فمنَّا مَن أهلَّ بعمرة، ومنَّا مَن جمع الحج والعمرة، ومنَّا مَن أهلَّ بحج”، فلم كرهتم ما روي أنه فعل مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما ابن عمر استحسنه؟ وما أذن الله فيه من التمتع؟ إن هذا لسوء الاختيار والله المستعان. ” الأم ” ( 7 / 269 ).

وقال ابن عبد البرّ: وقد قال الله عز وجل: { وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة / 196 ]، فبدأ بالحج قبل العمرة، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل أن يحج. ” التمهيد ” ( 2 / 81 ).

فهذا الذي قاله ابن عبد البر فيه نقل الإجماع عن العلماء، بل قد قال أوضح من ذلك: عن عبد الرحمن بن حرملة: أن رجلا سأل سعيد بن المسيب فقال: أعْتَمر  قبل أن أحج؟ فقال سعيد: نعم، قد اعتمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يحج” مالك في الموطأ -( 768 )- يتصل هذا الحديث من وجوه صحاح، وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه كلهم يجيزون العمرة  قبل الحج لمن شاء، لا بأس بذلك عندهم، وكلهم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم اعتمر قبل حجته. ” التمهيد ” ( 20 / 13 ).

وقال النووي: أجمع العلماء على جواز العمرة قبل الحج، سواء حج في سنته أم لا، وكذا الحج قبل العمرة واحتجوا له بحديث ابن عمر” أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحج ” رواه البخاري، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجته”، وكان أصحابه في حجة الوداع أقساماً: منهم من اعتمر قبل الحج ، ومنهم من حج قبل العمرة كما سبق.” المجموع ” ( 7 / 168 ).

* قلنا: لا دليل صحيح ينهى عن العمرة قبل الحج، ولكن هناك حديث غير صحيح في المسألة، ولعل صاحبك الذي نهاك عن تقديم المساعدة للذي يريد العمرة قبل الحج قد استدل به، وإليك الحديث وقول العلماء فيه:

عن سعيد بن المسيب: أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج”. رواه أبو داود ( 1793 ).

– قال ابن حزم: أما حديث ابن المسيب ففي غاية الوهي والسقوط؛ لأنه مرسل عمن لم يسم، وفيه أيضا ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراساني وعبد الله ابن القاسم وأبوه ففيه خمسة عيوب. ” حجة الوداع ” ( ص 485 ).

– وقال ابن قدامة: فإن قيل: فقد روى أبو داود بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر فشهد عنده: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن العمرة قبل الحج”، قلنا: هذا حاله في مخالفة الكتاب والسنة والإجماع كحال حديث أبي ذر بل هو أدنى حالاً فإن في إسناده مقالاً. ” المغني ” ( 3 / 125 ).

– وقال الشوكاني: وقال أبو سليمان الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته وجوز ذلك إجماع أهل العلم ولم يذكر فيه خلافا. انتهى.  ” نيل الأوطار ” ( 5 / 58 ).

ثانيا:

بالنسبة للتطوع قبل أداء الفرض من جنس العمل: فإن الصحيح هو الجواز إذا كان وقت الفريضة متسعاً، فقضاء رمضان – مثلاً – يمكن قضاؤه خلال العام إلى آخر يومٍ من شعبان، وعليه: فلا مانع من صيام بعض النوافل خلال العام، وخاصة ما لا يمكن إداركه في غير يومها، كصيام عرفة وعاشوراء، وأما التطوع بلا سبب شرعي لتخصيصه قبل قضاء ما عليه من الصوم: فإن هذا مما لا يفعله عاقل، ومن هنا قال أبو بكر رضي الله عنه: لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى فريضة.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: … فهل يجوز أن يصوم قبل القضاء، وهل يصح لو صام؟

المذهب  -أي الحنبلي -: لا يصح التطوع قبل القضاء، ويأثم؛ وعلَّلوا: أنّ النافلة لا تؤدى قبل الفريضة.

وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك ما لم يضق الوقت، وقال: ما دام الوقت موسَّعاً فإنه يجوز أن يتنفل كما لو تنفل قبل أن يصلي، فمثلاً: الظهر يدخل وقتها من الزوال وينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، فله أن يؤخرها إلى آخر الوقت، وفي هذه المدة يجوز له أن يتنفل؛ لأن الوقت موسَّع.

وهذا القول أظهر وأقرب إلى الصواب، وأن صومه صحيح، ولا يأثم؛ لأن القياس فيه ظاهر.

… والجواب عن التعليل الذي ذكره الحنابلة أن نقول: الفريضة وقتها في هذا الحال موسَّع، فلم يفرض عليَّ أن أفعلها الآن حتى أقول إنني تركت الفرض، بل هذا فرض في الذمة وسَّع الله تعالى فيه، فإذا صمت النفل فلا حرج … ” الشرح الممتع ” ( 6 / 448 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة