ما هي الحكمة من الطواف سبعًا حول الكعبة؟
السؤال
لماذا نطوف حول الكعبة سبع مرات في شعائر الحج ؟ وهل لعدد المرات أهمية خاصة ورد الإخبار عنها في القرآن والسنة؟ وجزاك الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
تنقسم مسائل الفقه من حيث إدراك حكمة التشريع فيه أو عدم إدراكها إلى قسمين :
أولهما : أحكام ” معقولة المعنى ” , وقد تسمَّى ” أحكاماً معلَّلة ” , وهي تلك الأحكام التي تُدرك حكمة تشريعها , إما للتنصيص على هذه الحكمة , أو يسر استنباطها .
وهذه المسائل هي الأكثر فيما شرع الله سبحانه وتعالى ، حيث :
لم يمتحنَّا بما تعيا العقول به حرصاً علينا فلم نَرْتَب ولم نَهِمِ
وذلك كتشريع الصلاة والزكاة والصيام والحج في الجملة , وكتشريع إيجاب المهر في النكاح , والعدة في الطلاق والوفاة , ووجوب النفقة للزوجة والأولاد والأقارب , وكتشريع الطلاق عندما تتعقد الحياة الزوجية … إلى آلاف المسائل الفقهية .
وثانيهما : ” أحكام تعبدية ” , وهي تلك الأحكام التي لا تُدرك فيها المناسبة بين الفعل والحكم المرتَّب عليه , وذلك كعدد الصلوات وعدد الركعات وكأكثر أعمال الحج .
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن هذه الأحكام قليلة بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى ، وتشريع هذه الأحكام التعبدية إنما يراد به اختبار العبد هل هو مؤمن حقّاً ؟ .
ومما ينبغي أن يُعلم في هذا المقام أن الشريعة في أصولها وفروعها لم تأت بما ترفضه العقول , ولكنها قد تأتي بما لا تدركه العقول , وشتان بين الأمرين , فالإنسان إذا اقتنع – عقليّاً – بأن الله موجود , وأنه حكيم , وأنه المستحق وحده للربوبية دون غيره , واقتنع – عقليّاً – بما شاهد من المعجزات والأدلة – بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عنه : فإنه بذلك قد أقر لله سبحانه وتعالى بالحاكميَّة والربوبيَّة , وأقرَّ على نفسه بالعبوديَّة , فإذا ما أُمرَ بأمرٍ , أو نُهيَ عن شيءٍ , فقال : لا أمتثل حتى أعرف الحكمة فيما أمرتُ به أو نهيتُ عنه , يكون قد كذب نفسه في دعوى أنه مؤمن بالله ورسوله , فإن للعقول حدّاً ينتهي إليه إدراكها , كما أن للحواس حدّاً تقف عنده لا تتجاوزه.
وما مثل المتمرد على أحكام الله تعالى التعبدية إلا كمثل مريض ذهب إلى طبيبٍ موثوقٍ بعلمه وأمانته , فوصف له أنواعاً من الأدوية , بعضها قبل الأكل وبعضها أثناءه وبعضها بعده مختلفة المقادير , فقال للطبيب : لا أتعاطى دواءك حتى تبين لي الحكمة في كون هذا قبل الطعام وهذا بعده , وهذا أثناءه , ولماذا تفاوتت الجرعات قلة وكثرة ؟ فهل هذا المريض واثق – حقّاً – بطبيبه ؟ فكذلك من يدعي الإيمان بالله ورسوله , ثم يتمرد على الأحكام التي لا يُدرك حكمتَها , إذ المؤمن الحق إذا أُمر بأمرٍ أو نُهي عنه يقول سمعتُ وأطعتُ , ولا سيما بعد أن بينَّا أنه ليس هناك أحكام ترفضها العقول السليمة , فعدم العلم بالشيء ليس دليلاً على نفيه , فكم مِن أحكامٍ خفيت علينا حكمتها فيما مضى ثم انكشف لنا ما فيها من حكمة بالغة , فقد كان خافياً على كثيرٍ من الناس حكمة تحريم لحم الخنزير , ثم تبين لنا ما يحمله هذا الحيوان الخبيث من أمراض وصفات خبيثة أراد الله سبحانه وتعالى أن يحمي منها المجتمع الإسلامي ، ومثل ذلك يقال في الأمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب … إلى غير ذلك من الأحكام التي تكشف الأيام عن سرِّ تشريعها وإن كانت خافيةً علينا الآن. ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 49 ، 50 ) .
والطواف سبعاً هو من الأحكام التعبدية ، ولو فُتح الباب للسؤال لقال قائل : لم نصلي الظهر أربع ركعات ، ولماذا كانت المغرب ثلاث ركعات ، ولماذا يُصلَّى الظهر عند زوال الشمس ، وهكذا ، وهو بابٌ من الشيطان يمكن أن يصدَّ الناس عن الدين والطاعات ، ولا تظهر عبودية المسلم إلا بتسليم الأمر التعبدي لله تعالى ، وما يمكن أن يُبحث فيه عن الحكمة فلا مانع من البحث عنها والسؤال ، أما ما كان تعبديا محضاً فإنه ليس من مقتضى العبودية أن يسأل عن الحكمة منه .
هذا ، وللعدد ” سبعة ” ذكر متكرر في كثيرٍ من الأشياء والأحكام في الشرع ، فالله تعالى خلق السموات سبعاً ، والأرضين سبعاً ، وأنزل الله تعالى القرآنَ على سبعة أحرف ، وعدد أيام الأسبوع سبعاً ، وأُمر المصلي أن يَسجد على سبعة أعضاء ، وعدد الجمار التي تُرمى في الحج سبع ، والسعي بين الصفا والمروة يكون سبعاً ، وغسل الإناء من ولوغ الكلب يكون سبع مرات ، ومن تصبح بسبع تمرات لم يصبه سم ولا سحر .. الخ .
– فلله الحكمة البالغة .
والله أعلم.


