التعليق على مقطع منتشر يتكلّم فيه أحد الفضلاء على القيام بالطاعات من أجل منافع دنيوية

السؤال

فقد سئلت أكثر من مرة عن مقطع صوتي لفاضل من مشايخنا الكبار يتكلم فيه – حفظه ربي – على القيام بالطاعات من أجل منافع دنيوية ، ورأيت في المقطع ما ينبغي التنبيه عليه ورأيت أن أكتب ذلك على العام ليستفيد منه الجميع ، وأسأل الله التوفيق والسداد لشيخي ولي .

الجواب

وأقول :

الحمد لله

ما شرعه الله تعالى من الطاعات والعبادات قسمان :
الأول : منه ما لم يَذكر له منافع دنيوية.
والثاني : ما ذَكر له ذلك ؛ لحث المسلم على أدائه والقيام به .

أما القسم الأول : فهذا لا يجوز أن يكون مع العمل نية أخرى (مع التنبيه العام أن العبادات تصرف النية في قيامها أنها لله تعالى لا لغيره) ، وهذا يصدق على أكثر الطاعات والعبادات ، وعلى رأسها الصلاة ، فمن صلَّى ومع نية الصلاة نية تمرين للجسم : فلا يؤجر عليها ، ومن صام ومع نية الصوم نية تخفيف الوزن : فلا يؤجر على صيامه ؛ وذلك أنه لم يُذكر في الشرع أن تلك الطاعات شرعت لتلك الفوائد والمنافع ولم يأت الحث عليها من أجل تحصيلها ، فتكون نيتها غير داخلة في دائرة الجواز ، نعم ، يمكن أن تلحق تلك الفوائد بتلك العبادات لكن لا تُنوى ؛ لأنها عبادات وطاعات لا تحتمل غير نية التقرب .
وأما القسم الثاني : فيجوز أن ينوي المسلم النية الأخرى الجائزة (أي: ثمرة العبادة) مع نية العبادة ، ولولا أنه يجوز للمسلم أن ينوي النية الأخرى لما كان لذكرها في الشرع فائدة ، ومن أمثلة ذلك :
أ. صلة الرحم ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تكون سبباً لبسط الرزق والبركة – أو الزيادة – في العمُر .

عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ : فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) .رواه البخاري ( 1961 ) ومسلم ( 2557  (.
ب. الحج ، وقد أباح الله تعالى فيه – مع نية العبادة – الابتغاء من فضله بالتجارة .
قال تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) البقرة/ 198 .
ج. الجهاد ، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مع الجهاد نية الحصول على الغنائم والسراري .

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – عام حنين – : ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ) . رواه البخاري ( 2973 ) ومسلم ( 1751  ).
والسَّلَب : هو ما يوجد مع المحارب من مال ومتاع ولباس وسلاح .

ومنه حديث جدّ بن قيس الذي ذكره السائل – على فرض حُسنه – وفيه قوله صلى الله عليه وسلم له ( يا جدّ – وهو ابن قيس – هل لك في جِلاد بني الأصفر – يعني الروم – تتخذ منهم سراري ووُصفاء ؟  ).

وما ذكرناه من تلك الطاعات والعبادات مما يجوز للمسلم أن ينوي مع الطاعة أمراً دنيويّاً ليس يستوي الناس فيه في الأجور ، فكلما قويت نية العبادة زاد أجر فاعلها ، وكلما قويت نية الحظ الدنيوي نقص الأجر الأخروي ، فإذا نوى الفاعل لها الحظ الدنيوي لا غير : حُرِم من الأجور الأخروية ، وبذلك تُفهم النصوص الثابتة مما ذكره الأخ السائل ومما لم يذكره .
وبيان ذلك في مثال واحد – وهو من باب الجهاد – :
1. فمن جاهد في سبيل الله تعالى فقتُل : فقد تمَّ له الأجر كاملاً ، وكذا لو لم يقتل لكنه لم يصب من الغنيمة شيئاً .
2. وإذا غنِم المجاهد في سبيل الله شيئاً فإن ما حصَّله من غنائم يكون جزءً من أجوره ، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبقي لهم من أجورهم الثلث ليوم القيامة .
وتجد هذين الأمرين في حديث واحد صحيح :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) .رواه مسلم ( 1906  ).

وفي رواية : ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ  ).

وقد عقل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر وبيَّنوا أن منهم من مات ولم يأكل من أجره شيئاً ومنهم من حصَّل منه شيئاً وهي الغنائم .

عن خَبَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ” هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا ” .رواه البخاري ( 1217 ) ومسلم ( 940  ).

وما ذكرناه لا يتعارض مع حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ  ). رواه البخاري ( 2955 ) ومسلم ( 1876  (.

فإنه مطلَق والسابق مقيَّد ، ففي هذا الحديث ذِكر أنهم يحصلون أجوراً لكن لم يتعرض الحديث لنقصها مع الغنيمة ، وقد بيَّنته الروايات السابقة الصحيحة .
قال النووي – رحمه الله – :

وأما معنى الحديث : فالصواب الذي لا يجوز غيره : أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلَم ، أو سلم ولم يغنم ، وأن الغنيمة هي فى مقابلة جزء من أجر غزوهم ، فإذا حصلت لهم : فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو ، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر ، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله ” منَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها ) أي : يجتنيها .

فهذا الذي ذكرنا هو الصواب ، وهو ظاهر الحديث ، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا ، فتعين حمله على ما ذكرنا .

وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته فى تفسيره أقوالاً فاسدة منها : قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ، ولايجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة ، قال : وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راوية مجهول ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله ، ولأنه فى الصحيحين وهذا في ” مسلم ” خاصة .
وهذا القول باطل من أوجه :

فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة ولم يقل إن الغنيمة تُنقص الأجر أم لا ، ولا قال : أجره كأجر من لم يغنم ، فهو مطلق وهذا مقيد فوجب حمله عليه .

وأما قولهم : أبو هانئ مجهول : فغلط فاحش ، بل هو ثقة مشهور ، روى عنه الليث بن سعد وحيوة وبن وهب وخلائق من الأئمة ، ويكفي فى توثيقه احتجاج مسلم به فى صحيحه .

وأما قولهم : إنه ليس فى الصحيحين : فليس لازماً فى صحة الحديث كونه فى الصحيحين ، ولا فى أحدهما .

وأما قولهم في غنيمة ” بدر ” : فليس في غنيمة ” بدر ” نصٌّ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط ، وكونهم مغفوراً لهم مرضيّاً عنهم ومِن أهل الجنة لا يلزم ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر .

ومن الأقوال الباطلة : ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال : لعل الذى تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها ! وهذا غلط فاحش ؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر .

وزعم بعضهم أن المراد : أن التى أخفقت يكون لها أجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة فيضاعف ثوابها كما يضاعف لمن أصيب فى ماله وأهله ! وهذا القول فاسد مباين لصريح الحديث .

وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معاً فنقص ثوابه ، وهذا أيضاً ضعيف ، والصواب ما قدمناه ، والله أعلم .
” شرح مسلم ” ( 13 / 52 ، 53  ).
3. ومن خرج للغزو لا نية له إلا الغنيمة : لم يحصِّل من أجور المجاهد شيئاً .

وعليه يُحمل الحديث الذي ذكره السائل وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له ) ، وقد جاء في سؤال السائل أن ذلك المجاهد ” يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضاً من عرض الدنيا ” .
ومنه أيضاً :

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى ) .رواه النسائي ( 3138 ) وحسنه الألباني في ” صحيح النسائي ” .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

ففرْقٌ بين مَن يكون الدِّين مقصوده والدنيا وسيلة ، ومن تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة ، والأشبه : أن هذا ليس له في الآخرة من خَلاق ، كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها . ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 20  (.
وقال ابن رجب – رحمه الله – :

فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلاً نيّةٌ غير الرِّياءِ ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ ، أو التِّجارة : نقصَ بذلك أجرُ جهادهم ، ولم يَبطُل بالكُلِّيَّة ، وفي ” صحيح مسلم ” عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ( إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهِم فإنْ لم يغنَمُوا شيئاً تمَّ لهُم أجرُهم

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أنَّ مَنْ أراد بجهاده عَرَضاً مِنَ الدُّنيا أنَّه لا أجرَ له ، وهي محمولةٌ على أنَّه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلاَّ الدُّنيا .

وقال الإمامُ أحمدُ : التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم ، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ .

وقال أيضاً فيمن يأخذُ جُعْلاً على الجهاد : إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم : فلا بأس أنْ يأخذَ ، كأنّه خرجَ لدينِهِ ، فإنْ أُعطي شيئاً أخذه .

وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرٍو قال : إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ فعوَّضَه الله رزقاً : فلا بأسَ بذلك ، وأمَّا إنْ أحَدُكُم إنْ أُعطي درهماً غزا وإنْ مُنع درهماً مكث : فلا خيرَ في ذلك . وكذا قال الأوزاعي : إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو : فلا أرى بأساً.

وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئاً في الحَجِّ ليحُجَّ به : إمَّا عَنْ نفسه ، أو عَنْ غيرِه ، وقد رُوي عَنْ مُجاهد أنّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر : هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ ، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب .” جامع العلوم والحكم ” ( ص 17  ).

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة