نصرانية والزواج من مسلم ، الشروط ، وما يملك الزوج منع الزوجة منه
السؤال
تفكر صديقتي المسيحية ! في الزواج من رجل مسلم ، ولكنها في شك من مطالبه ، إنه يعرف أنها مسيحية ! ولكنه يريد أن يجبرها على ارتداء النقاب ، وأن لا تذهب إلى الكنيسة , ولا تعمل , وأن تتوقف عن الحديث مع أهلها , وأن ترتدي ما يريده هو – ليس ما يريده الإسلام ، ولكنه قال بالحرف الواحد ” ما أريده أنا ” – ، كما أنه يغضب عندما تخالفه الرأي , ويقول : إن الزوجة يجب أن تكون مطيعة ، وليس لها أن تتبني رأيها الخاص .
هل للزوج المسلم أن يطلب هذه المطالب من زوجته ؟ أما بالنسبة للأمر الثاني : فهو أن صديقتي فتاة جيدة ، ولكنها ليست عذراء , وقد سمعت أن زواج المسلم من زانية لا يجوز ، فهل هذا صحيح ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
– في قولكِ ” صديقتي المسيحية ” : ملاحظتان :
الأولى : هو أنه لا يجوز للمسلم اتخاذ الكفار أصدقاء له ؛ لما في الصداقة من معاني المودة ، والمحبة ، وهو مما نهينا عنه تجاه من كفر بالله تعالى ربّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ، ، قال تعالى : ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة/ 22 .
والثانية : عدم جواز إطلاق لفظ ” مسيحية ” على تلك المرأة ، وقد فصلنا القول في هذا في جواب آخر .
ثانياً:
وعدم جواز اتخاذ تلك المرأة صديقة لا يعني عدم البر بها ، والإحسان لها التعامل ، وخاصة إن كان ذلك منكِ بقصد إدخالها في الإسلام ، وتعريفها بأخلاقه ، وأحكامه ، لذا فنرى أنه يجب عليك فعل ذلك ، وأن تبذلي ما تستطيعين من أجل دخولها في الإسلام .
ثم إنه يجب عليكِ أن تدعي تلك المرأة لأن تتعرف على الإسلام قبل زواجها من ذلك المسلم ؛ فالتعرف الحقيقي على الإسلام ، وشموليته ، وموافقته للفطر السليمة ، والطبائع المستقيمة : أدعى لقبول شرائعه ، والتمسك بأحكامه .
ولا حرج في أن يكون أمر زواج تلك المرأة من ذلك الرجل المسلم سبباً في تعرفها على دين الإسلام ، ودخولها فيه .
ويمكنك في سبيل ما يجب عليك تجاهها : الاستفادة من المراكز الإسلامية , والكتب التعريفية بالإسلام , والمواقع الإسلامية الكثيرة على الإنترنت ، والتي تقدم الإسلام الصافي ، وبعدها يمكنك أن تجيبيها على تساؤلاتها حول الإسلام ، وأحكامه .
ثالثاً:
أباح الله تعالى الزواج من الكتابيات – المؤمنة بدينها ولو محرَّفاً – ، بشرط أن تكون محصنة – أي : عفيفة عن الزنا – ، وأن تكون الولاية للمسلم عليها .
رابعاً:
لا يجوز للمسلم أن يُرغم زوجته الكتابية – إذا تزوجها – على الإسلام ، قال الله تعالى : ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) البقرة/ 256 .
خامساً:
وقد ذكرنا أن من شرط الزواج بالكتابية : أن تكون الولاية للمسلم ، وبه يجمع المسلم بين ” الولاية ” لأحكام الشرع ، و” القوامة ” لشخصه على زوجته ، كتابية كانت ، أم مسلمة ، ولازم تلك الولاية ، والقوامة : أن يلزم زوجته الكتابية بما فرضه الله عليه من أحكام ، ووجب عليه تجاهها ، كالحجاب ، والجلباب ، وما شابه ذلك ؛ وأن يمنعها ممن نهى الله عنه ، كالاختلاط بالرجال ، والذهاب إلى الكنيسة ، وغير ذلك .
– والمرجح عند أهل العلم , والذي عليه جمهورهم : أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع.
قال النووي – رحمه الله – :
اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، المأمور به ، والمنهى عنه ، هذا قول المحققين ، والأكثرين . ” شرح النووي ” ( 1 | 198) .
وعليه : فلا يحل للزوج المسلم أن يمكنها من التبرج ، والسفور , ولا الاختلاط بالرجال , ولا الذهاب إلى الكنيسة , ولا أكل لحم الخنزير , ولا شرب الخمر .
قال ابن قدامة – رحمه الله – :
قال الإمام أحمد في الرجل له المرأة النصرانية : لا يؤذَن لها أن تخرج إلى عيد ، أو تذهب إلى بِيعة ، وله أن يمنعها ذلك . ” المغني ” ( 10 | 620 ) .
وقال ابن قدامة – رحمه الله – أيضاً – :
وإن كانت زوجته ذميَّة : فله منعها من الخروج إلى الكنيسة ؛ لأن ذلك ليس بطاعة ولا نفع . ” المغني ” ( 8 / 130 ) .
– وبوَّب ابن القيم رحمه الله في كتابه ” أحكام أهل الذمة ” ( 2 | 821 ) بـ ” فصل منع الزوجة الكتابية من السُّكر ” .
ومنع المسلم زوجته الكتابية من شرب الخمر فيه خلاف ، لكن الراجح الذي لا نشك فيه : هو المنع من الإذن لها بشربه .
قال ابن نُجيم الحنفي – رحمه الله – :
وفي ” الخانية ” : مِن فَصل ” الجزية ” من السيَر : مسلم له امرأة ذمية ليس له أن يمنعها من شرب الخمر ؛ لأن شرب الخمر حلال عندها ، وله أن يمنعها عن اتخاذ الخمر في المنزل . ا.هـ .
وهو مشكل ؛ لأنه وإن كان حلالاً عندها لكن رائحتها تضره ، فله منعها ، كمنع المسلمة من أكل الثوم ، والبصل ، ولذا قال الكركي في ” الفيض ” قبيل باب التيمم : ” إن المسلم له أن يمنع زوجته الذمية من شرب الخمر ، كالمسلمة لو أكلت الثوم والبصل ، وكان زوجها يكره ذلك له أن يمنعها ا.هـ .
– وهذا هو الحق ، كما لا يخفى . ” البحر الرائق ” ( 3 / 111 ) .
– والمرجع في هذه الأوامر والنواهي هو : الشرع ، وليس هوى النفس ، ولكن إذا أمر الرجل زوجته بأمر مباح ، وليس فيه مخالفة للشرع : فواجب على المرأة طاعته ، وخاصة فيما فيه إصلاح بيتهم ، والعناية بأولادهم .
وأما منع الزوج زوجته من التحدث مع أهلها ، ومن زيارتهم : فلا وجه له فيه ، ولا يجوز له منعها من غير سبب شرعي يدعوه لذلك ، كأن يكون أهلها من الفجَّار الذين يعلمونها على الفجور ، والانحراف ، أو يؤثرون على أولاده بالأخلاق السيئة ، أو يوقعون بين الزوجة وزوجها ، فمثل هذه تكون أعذاراً لمنع الزوج زوجته من زيارة أهلها ، حتى لو كان الزوج غير مسلم ! .
سادساً:
ولا تعني القوامة أن الرجل مستقل بإدارة بيته , وأن المرأة لا رأي لها , ولا حُكم , ولا نظر ؛ فقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أن نساءهم كنَّ يراجعنهم في الأمر ، بل كان هذا فعل أمهات المؤمنين مع نبيِّنا عليه الصلاة والسلام ، كما قال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم : ” وكنَّا معشر قريش نغلِب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤُهم، فطفق نساؤنا يأخُذْنَ من أدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي – أي: غضبت – فراجعتْني، فأنكرتُ أن تراجعني، قالت: ولمَ تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه …” . رواه البخاري ( 4895 ) ومسلم ( 1479 ) .
قال الحافظ ابن حجر – في سياق فوائد الحديث – :
وفيه : أن شدة الوطأة على النساء مذموم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم ، وترك سيرة قومه . ” فتح الباري ” ( 9 / 291 ) .
بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ برأي ، ومشورة زوجته في أمر جلل ، وحادثة عظيمة , كما في حادثة ” صلح الحديبية ” عندما أخذ برأي أم سلمة رضي الله عنها ، في أن يحلق شعره ، ويذبح هديه ، لما أُحصر عن الدخول لأداء العمرة .
والإسلام لم يجعل أمر الحياة الزوجية للزوج وحده ، بل ثمة ما أُمر به أن يشاور امرأته في فعله أو تركه ، كرضاع أولادهم ، كما في قوله تعالى : ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) البقرة/ من الآية 233 ، وثمة أمر عام ، وهو المعاشرة بالمعروف ، كما في قوله تعالى : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) النساء/ من الآية 19 .
سابعاً:
أما بالنسبة للشطر الثاني من السؤال : فقد قدمنا أن من شرط الزواج بالكتابية : أن تكون عفيفة عن الزنا ، ولا تتخذ عشاقّاً ، كما قال تعالى : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) المائدة/ 5 .
– والمراد بالإحصان : العفة من الزنا .
قال ابن كثير – رحمه الله – :
وهو قول الجمهور ها هنا ، وهو الأشبه ؛ لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة ، فيفسد حالها بالكلية ، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل : ” حشفا وسوء كيلة ” والظاهر من الآية : أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنا. ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 55 ) .
وفي فتاوى علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
“يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية – يهودية أو نصرانية – إذا كانت محصنة ، وهي الحرة العفيفة ؛ لقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ …) … .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 314 , 315 ) .
– ولكن كما أن التوبة تجبُّ ما قبلها : فإن الإسلام يجبُّ ما قبله ؛ فإذا أسلمت الكتابية ، والتزمت العفاف : جاز للمسلم أن يتزوجها ، ولو سبق منها الزنا ؛ ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يَا عَمْرُو بَايِعْ فَإِنَّ الإِسْلاَمَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا ) . رواه أحمد في مسنده ( 29 / 315 ) ، وصححه الألباني في ” الإرواء ” ( 1280 ) .
فالنصيحة للأخت أن تجتهد على صديقتها في حثها على التعرف على التعرف ؛ والله نسأل أن يمنَّ عليها بالهداية ، وأن يرزقها الزوج المسلم الصالح .
والله أعلم.


