حكم ارتداء الملابس من جلود الحيوانات التي تشبه النمر؟
السؤال
ذكر البخاري أنه يجب أن لا ترتدي ملابس تشبه جلد النمر ولم أكن أعرف ذلك فعندي ملابس من ذلك النوع وإنني أنوي أن لا أشتري منها مرة ثانية فهل يمكن أن أستخدم هذه الملابس في المنزل؟ أم يحرم ارتداؤها حتى في المنزل؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن لبس أو الجلوس على جلد النمور ففي حديث معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن ركوب النمار ، وعن لبس الذهب إلا مقطعا “. رواه أبو داود ( 4239 ).
وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها “. رواه أبو داود ( 4131 ).
* وقال شمس الحق العظيم آبادي – رحمه الله – في شرح الحديث -:
النمار جمع نمر، وهو سبع أجرأ وأخبث من الأسد، وهو منقط الجلد نقط سود وبيض، وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه، ورائحة فمه طيبة بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو بعيد الوثبة فربما وثب أربعين ذراعًا.
وإنما نهى عن استعمال جلوده لما فيها من الزينة والخيلاء، ولأنه زي العجم، وعموم النهي شامل للمذكَّى وغيره.
قال في” النهاية “: ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمار “، وفي رواية: ” النمور “، أي: جلود النمور، وهي السباع المعروفة، واحدها نمر، إنما نهى عن استعمالها لما فيها من الزينة والخيلاء، ولأنه زي الأعاجم، أو لأن شعره لا يقبل الدباغ عند أحد من الأئمة إذا كان غير زكي، ولعل أكثر ما كانوا يأخذون جلود النمور إذا ماتت لأن اصطيادها عسير. ” عون المعبود ” ( 11 / 126 ).
والشاهد: أن الحكمة في النهي عن لبس جلود النمور أو السباع والجلوس عليها ما فيه من الخيلاء والكبر، ولأن الدباغ لا يطهرها كما سيأتي.
ثانيًا:
جلد النمر وجلود السباع هل يطهرها الدباغ؟
ومعنى الدباغة في الشرع: إزالة رطوبة جلد الحيوان المراد دبغه، وذلك معروف عند أهل الاختصاص بإزالة اللحم المتبقي بعد السلخ وتجفيفه بالشمس، ورش الملح عليه، والدليل على ذلك: ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به “. رواه البخاري ( 1492 ) – وليس فيه لفظ ” الدبغ ” – ومسلم ( 363 ).
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا دبغ الإهاب فقد طهر”. رواه مسلم ( 366 ).
– وقد اختلف العلماء في جلود الحيوانات كالسباع وغيرها هل يطهرها الدباغ؟
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
فللناس فيما يطهره الدباغ أقوال:
قيل: إنه يطهر كل شيء حتى الحمير، كما هو قول أبي يوسف وداود.
وقيل: يطهر كل شيء سوى الحمير كما هو قول أبي حنيفة.
وقيل: يطهر كل شيء إلا الكلب والحمير، كما هو قول الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أحمد على القول بتطهير الدباغ، والقول الآخر في مذهبه وهو قول طوائف من فقهاء الحديث: أنه إنما يطهر ما يباح بالذكاة فلا يطهر جلود السباع.
– ومأخذ التردد: أن الدباغ هل هو كالحياة فيطهر ما كان طاهرًا في الحياة؟ أو هو كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة؟
والثاني أرجح، ودليل ذلك: ” نهي النبي عن جلود السباع ” كما روي عن أسامة بن عمير الذهلي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع.
رواه أبو داود ( 4132 )، وزاد الترمذي ( 1773 ): ” أن تفرش “.
وعن خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معدي كرب على معاوية فقال: أنشدك الله هل تعلم أن رسول الله نهى عن جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم. رواه أبو داود ( 4131 ).
وعن أبي ريحانة رضي الله عنه: ” نهى رسول الله عن ركوب النمور “. رواه أبو داود ( 4049 ).
وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر”. رواه أبو داود ( 4130 ).
– وفي هذا القول: جمع بين الأحاديث كلها، والله أعلم.
” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 95 ).
فرجح شيخ الإسلام أن الحيوانات التي تعمل بها الذكاة: أنه يجوز دباغ جلودها، وما لا تعمل الذكاة بها: لا تطهر بالدباغ كما ذكر عن الإمام أحمد وغيره – وله قول آخر ستأتي الإشارة إليه -، وهو الراجح إن شاء الله، وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن يجلس على جلود السباع أو يلبسها لما فيه من الخيلاء والكبر أولا، وثانيا لما أنها لا يطهرها الدباغ .
* وقال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:
وقيل: إن جلد الميتة يطهر بالدباغ بشرط أن تكون الميتة مما تُحله الذكاة، وأما ما لا تحله الذكاة: فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الراجح، وعلى هذا: فجلد الهرة وما دونها في الخِلقة لا يطهر بالدباغ.
فمناط الحكم هو على طهارة الحيوان في حال الحياة، فما كان طاهرًا: فإنه يباح استعمال جلد ميتته بعد الدبغ في يابس، ولا يطهر على المذهب، وعلى القول الثاني: يطهر، وعلى القول الثالث: يطهر بالدباغ إذا كانت الميتة مما تحله الذكاة.
والراجح: القول الثالث، بدليل أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: ” دباغها ذكاتها ” – رواه النسائي ( 4243 )، وصححه الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 49 ) – فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تطهِّر إلا ما يباح أكله، فلو أنك ذبحتَ حمارًا وذكرتَ اسم الله عليه وأنهر الدم: فإنه لا يسمَّى ذكاة.
وعلى هذا نقول: جلد ما يحرم أكله، ولو كان طاهرًا في الحياة: فإنه لا يطهر بالدباغ، والتعليل: أن الحيوان الطاهر في الحياة إنما جُعل طاهرًا لمشقة التحرز منه لقوله صلى الله عليه وسلم ” إنها من الطوافين عليكم والطوافات ” – أي: الهرة، والحديث رواه الترمذي ( 92 ) وأبو داود ( 75 ) والنسائي ( 68 ) وابن ماجه ( 368 ) وصححه البخاري والترمذي والدارقطني والعقيلي كما قال ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 41 ) – وهذه العلة تنتفي بالموت، وعلى هذا يعود إلى أصله وهو النجاسة، فلا يطهر بالدباغ.
فيكون القول الراجح: كل حيوان مات وهو يؤكل: فإن جلده يطهر بالدباغ، وهذا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله قول آخر يوافق قول مَن قال: إن ما كان طاهرًا في الحياة: فإن جلده يطهر بالدبغ.
” الشرح الممتع ” ( 1 / 74 ، 75 ).
ثالثًا:
فإذا حرم استعمال هذه الجلود: فلا فرق بين منع لبسها داخل المنزل وخارجه.
والله أعلم.


