من هو جلال الدين الرومي؟
السؤال
صديقي التركي يكلمني كثيرًا عن مولانا جلال الدين الرومي وهو وأسرته يحترمونه جدًا فمن هو وهل كان عمله موافقًا للسنة؟ هناك أناس يذهبون إلى قبره ويدعون ويفعلون أشياء أخرى لا أعرف الهدف منها. فهل لكم أن توضحوا لنا؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
هو محمد بن محمد بن الحسين البلخي القونوي الرومي، جلال الدين: عالم بفقه الحنفية والخلاف وأنواع العلوم.
وهو صاحب المنظومة الصوفية الفلسفية المسماة ” المثنوي ” وقد نظمها بالفارسية وترجمت إإلى التركية والعربية، وتقع في 25,700 بيت.
وهو صاحب الطريقة ” المولوية ” المنسوبة إليه باعتبار لقبه عند أتباعه ومريديه: ” مولانا جلال الدين “.
ولد في ” بلخ ” – بفارس – وانتقل مع أبيه لى بغداد في الرابعة من عمره، فترعرع في ” المدرسة المستنصرية ” حيث نزل أبوه.
قام والده برحلة واسعة في بلدان عديدة، وكان معه، ثم استقر به المقام في ” قونية ” سنة 623 هـ، وكانت ” قونية ” من أعظم مدن الإسلام بالروم وبها وبـ” أقصرى ” سكنى ملوكهم كما يقول ياقوت الحموي في ” معجم البلدان “.
تولى التدريس بـ ” قونية ” في أربع مدارس، بعد وفاة أبيه سنة 628 هـ.
ثم تصوف وترك الدنيا والتدريس والتصنيف.
ولتصوفه وتركه التصنيف والدنيا قصة وهي:
أنه كان يوما جالسا في بيته وحوله الكتب والطلبة فدخل عليه شمس الدين التبريزي فسلم وجلس وقال للشيخ ما هذا؟ وأشار إلى الكتب والحالة التي هو عليها فقال له مولانا جلال الدين: هذا لا تعرفه، فما فرغ الشيخ جلال الدين من هذا اللفظ إلا والنار عمالة في البيت والكتب، فقال مولانا جلال الدين للتبريزي: ما هذا؟ فقال له التبريزي: هذا لا تعرفه، ثم قام وخرج من عنده فخرج الشيخ جلال الدين على قدم التجريد وترك أولاده وحشمه ومدرسته وساح في البلاد.
وهذا يدل على ضلال وجهل بحقيقة الدين، فكم من عالم من سلف هذه الأمة جمع بين التصنيف والعبادة، وكم من عالم منهم جمع بين التجارة والعلم والعبادة، والموفق من وفقه الله.
واستمر يتكاثر مريدوه وتابعو طريقته إلى أن توفي بـ ” قونية “، وقبره معروف إلى اليوم، ويأتي إليه جهال المسلمين ليدعو الله عنده أو ليطلبوا منه ما لا يطلب إلا من الله.
وشعره يدل على أنه من الغلاة أرباب نحلة الاتحاد والحلول من الباطنية.
انظر: ” الأعلام ” للزركلي ( 7 / 30 )، و ” طبقات الحنفية ” ( 1 / 123 – 125 )، و ” تاريخ العراق ” ( 4 / 130 ).
ثانيًا:
وأما يفعله جهال المسلمين عند قبره وقبر غيره فهو من الشرك الصريح الذي بعث الأنبياء لمحاربته، وقد جاءت النصوص متوافرة على ذم دعاء الأموات وطلب الحاجات منهم.
ودعاء غير الله لا يجوز لا في الرخاء ولا عند الشدة، ولا يجوز كذلك دعاء الصالحين ولا الأنبياء مهما عظم شأنه ولو كان نبيًا مقربًا، أو ملكًا من ملائكة الله؛ لأن الدعاء عبادة.
عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الدعاء هو العبادة “، ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }. رواه الترمذي ( 2895 ) وابن ماجه ( 3818 ).
والعبادة لا تكون إلا لله فالدعاء لا يكون إلا لله.
وقد قال الله تعالى: { و الذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير . إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم و لا ينبئك مثل خبير } [ فاطر/ 13 ].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين. ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 124 ).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
ومِن أنواعه – يعني الشرك – طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل الشرك. ” فتح المجيد ” ( ص 145 ).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:
يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل عجزهم وضعفهم و أنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك وسماع الدعاء والقدرة على استجابته. ” فتح المجيد ” ( ص 158 ).
وقال المقريزي رحمه الله:
والناس في هذا الباب – أعني زيارة القبور – على ثلاثة أقسام:
- قومٌ يزورون الموتى فيدعون لهم، وهذه الزيارة الشرعيَّة.
- وقومٌ يزورون الموتى فيدعون بهم، فهؤلاء هم المشركون في الألوهيَّة والمحبَّة.
- وقومٌ يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد “، وهؤلاء هم المشركون في الربوبيَّة. ” تجريد التوحيد ” ( ص 17 ).
* وقال العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله – وهو يتكلم عن كلمة التوحيد وفضلها -:
فكذلك من يقولها ممن يصرف أنواع العبادة لغير الله كعباد القبور والأصنام فلا تنفعهم ولا يدخلون في الحديث الذي جاء في فضلها وما أشبهه من الأحاديث وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله وحده لا شريك له تنبيها على أن الإنسان قد يقولها وهو مشرك، كاليهود والمنافقين وعباد القبور، لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى قول لا إله إلا الله، ظنوا أنه إنما دعاهم إلى النطق بها فقط وهذا جهل عظيم، وهو عليه السلام إنما دعاهم إليها ليقولوها ويعملوا بمعناها ويتركوا عبادة غير الله، ولهذا قالوا: ” أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون “؟، وقالوا: ” أجعل الآلهة إلها واحدا “؟، فلهذا أبوا عن النطق بها، وإلا فلو قالوها وبقوا على عبادة اللات والعزى ومناة لم يكونوا مسلمين، ولقاتلهم عليه السلام حتى يخلعوا الأنداد ويتركوا عبادتها ويعبدوا الله وحده لا شريك له وهذا أمر معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع، وأما عباد القبور فلم يعرفوا معنى هذه الكلمة ولا عرفوا الإلهية المنفية عن غير الله الثابتة له وحده لا شريك له بل لم يعرفوا من معناه إلا ما أقربه المؤمن والكافر .. ” تيسير العزيز الحميد ” ( ص 58 ).
وقال أيضا:
وكثير منهم قد عطلوا المساجد وعمروا القبور والمشاهد فإذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه أخذ في دعاء صاحبه باكيا خاشعا ذليلا خاضعا بحيث لا يحصل له ذلك في الجمعة والجماعات وقيام الليل وإدبار الصلوات فيسألونهم مغفرة الذنوب وتفريج الكروب والنجاة من النار وأن يحطوا عنهم الأوزار، فكيف يظن عاقل فضلا عن عالم أن التلفظ بلا إله إلا الله مع هذه الأمور تنفعهم وهم إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم وأعمالهم ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئا من الشرك فانه لا يشك أحد في عدم إسلامه وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب الدر الثمين في شرح المرشد المعين من المالكية ثم قال شارحه وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، انتهى. ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين ..” المصدر السابق “( ص 60).
وقال: معنى لا إله إلا الله هو: البراءة من عبادة ما سوى الله من الشفعاء والأنداد، وإفراد الله بالعبادة، فهذا هو الهدى ودين الحق الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، أما قول الإنسان لا إله إلا الله، من غير معرفة لمعناها ولا عمل به، أو دعواه أنه من أهل التوحيد، وهو لا يعرف التوحيد، بل ربما يخلص لغير الله من عباداته من الدعاء والخوف والذبح والنذر والتوبة والإنابة وغير ذلك من أنواع العبادات فلا يكفي في التوحيد، بل لا يكون إلا مشركا والحالة هذه كما هو شأن عباد القبور .. ” المصدر السابق ” ( ص 113 ).
والله أعلم.


