تريد مزيدًا من التوضيح في مسألة الذبائح
السؤال
قرأت وتناقشت حول موضوع الأطعمة التي تحل لنا, لكني أظن أني لم أحصل على جواب واضح. فإذا كنت خارج البيت (في السوق مثلا)، هل يجوز لي أن آكل لحم أو طعام غير المسلمين؟ هل أعتبر أن اللحم هو من ذبائح النصارى أو اليهود؟ وحتى إذا كان اللحم كذلك, فكيف أعلم أن هذا النصراني أو اليهودي ليس من المشركين؟ وأيضا, فإن الكثير من المسلمين يشترون لحما غير مذبوح. فهل يجوز لي تناول طعامهم؟ وهل أسأله هؤلاء المسلمين من أين اشتروا هذا اللحم؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ذبائح أهل الكتاب مباحة – في الأصل – غير محرمة، والدليل على ذلك قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم … } [ المائدة / 5 ].
ولكن بشرط أن يكونوا من أهل الكتاب الذين لم يتبعوا ديانات أخرى جديدة يخرجون بها من دينهم الذي هم عليه.
وبعض اليهود والنصارى في أيامنا هذه تركوا النصرانية واليهودية واتبعوا الديانات التي لا تعترف بإله البتَّة، بل وتبنَّت هذه الديانات دول كبيرة كالدول الشيوعية.
فهؤلاء ذبيحتهم حرام ولا شك.
هذا على مستوى الدول أما على مستوى الأفراد فكل فرد يحاسب بحسبه، فإن علم أنه ما زال من أهل الكتاب: حل ذبحه وإلا فلا.
قال الطبري:
قوله: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم }: وذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهم: الذين أوتوا التوراة والإنجيل وأنزل عليهم فدانوا بهما أو بأحدهما.
{ حل لكم }: يقول: حلال لكم أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام فإن من لم يكن منهم ممن أقر بتوحيد الله عز ذكره ودان دين أهل الكتاب فحرام عليكم ذبائحهم. ” تفسير الطبري ” ( 6 / 100 ).
ولكن هل يشترط أن يذكر النصراني أو اليهودي الله، أم يجوز أن نأكل ذبيحته وإن لم يذكر الله أو ذكر غيره؟.
قال بذلك بعض العلماء، لكن الصحيح: أنه لا يجوز لنا أكل ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر عليها غير اسم الله تعالى وذلك لأن الله تعالى حرم على المسلمين ذبائحهم أنفسهم التي لم يذكروا اسم الله تعالى عليها، وإن لم يذكروا غير اسم الله عليها، فكيف يبيح لنا أن نأكل ما لم يُذكر اسم الله عليه من غير المسلمين؟.
والدليل على ذلك قوله تعالى:{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } [ الأنعام / 121 ].
ولقوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } [المائدة / 4 ].
ولحديث الرسول صلى الله عليه و سلم عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ” إذا أرسلتَ كلبك المعلَّم فقتل: فكل، وإذا أكل: فلا تأكل؛ فإنما أمسكه على نفسه، قلت: أرسلُ كلبي فأجد معه كلبًا آخر؟ قال: فلا تأكل؛ فإنما سمَّيتَ على كلبك ولم تسم على كلب آخر “. رواه البخاري ( 173 ) ومسلم ( 1929 ).
ولحديث أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلَّم وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرتَ مِن أهل الكتاب فإن وجدتم غيرَها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرتَ اسمَ الله: فكُل، وما صدتَّ بكلبك المعلَّم فذكرت اسم الله: فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته: فكل “. رواه البخاري ( 5161 ) ومسلم ( 1930 ).
والأحاديث في ذلك كثيرة.
وإن الله تعالى أباح لنا طعامهم لأنهم لا يذكرون على طعامهم حال الذبح إلا اسم الله تعالى.
قال ابن كثير:
وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزَّه عنه تعالى وتقدس. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 20 ).
وقال في موضع آخر:
فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يُبِح ذبائحَ مَن عداهم مِن أهل الشرك ومَن شابههم؛ لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 20 – 21 ).
فالحاصل: أن الذبائح التي لا يذكر اسم الله تعالى عليها حتى ولو كانت من ذبح المسلمين وهي حرام، والتي يذكر عليها اسم غير الله تعالى أشد حرمة، لقوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } [ المائدة / 3 ].
فقوله: { وما أهل لغير الله به }: دليل واضح على حرمة ذلك.
ثانيًا:
ومما يجدر التنبيه إليه: أن الذبح في أيامنا هذه عند النصارى ولو سلمنا بدوام عقيدتهم التي هم عليها من النصرانية أو اليهودية، وأنهم يذكرون الله على الذبيحة فإنهم لا يذبحونها على الطريقة الصحيحة الشرعية، فهم لا ينهرون الدم بل يذبحون بالصعق والتغريق وما شابههما من طرق الخنق، وقد اشترط في حل الذبيحة: إنهار الدم وذكر اسم الله عليها.
عن عباية بن رفاعة عن جده أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مدى، فقال: ” ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس الظفر والسن، أما الظفر فمُدى الحبشة، وأما السن فعظم، وند بعير فحبسه فقال إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا “. رواه البخاري ( 5079 ) ومسلم ( 3638 ).
وعن أبي أمامة قال: ” كانت جارية لأبي مسعود عقبة بن عمرو ترعى غنمًا فعطبت شاة منها فكسرت حجرًا من المروة فذبحتْها فأتت بها إلى عقبة بن عمرو فأخبرته فقال لها: اذهبي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أفريت الأوداج؟ قالت: نعم، قال: كل ما فرى الأوداج ما لم يكن قرض سن أو حز ظفر “. رواه الطبراني في الكبير ( 8 / 211 ).
والحديث: صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم ( 4496 ).
ومما هو معلوم: أن المسالخ في دول النصارى لا تنهر دما ولا تقطع عرقًا ولا ودجًا، وهذا مشتهر عنهم ومعروف.
فعليه: إن كان الذابح من أهل الكتاب ما يزال على دينه، وتحقق أنه ذكر اسم الله تعالى على ذبيحته، وأنه لم يشرك مع الله أحدًا حال الذبح، وأنه أنهر الدم وقطع الأوداج: فبهذا حلت ذبيحته وإلا كانت جيفة وميتة لا يحل أكلها.
ومما نعلمه عن النصارى في أيامنا هذه على مستوى المسالخ والشركات التي تتاجر باللحوم، أنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، ولا ينهرون دمها، فيكون حكم هذه الذبائح: الحرمة.
أما على المستوى الفردي: فإن النصارى واليهود فرطوا في دينهم – في هذه الأيام – وقلما تجد واحدًا ملتزمًا بدينه منهم.
فنرى أن الأصل في ذبائحهم الحرمة – في هذه الأيام – لأنهم فرطوا بدينهم وتعاليمه التي تأمرهم بذكر الله على الذبيحة. حتى يثبت لنا أن هذا الرجل من الملتزمين بتعاليم دينه لا سيما الذبح خاصة.
ثالثًا:
وأما إن علم أن هذه الذبائح ذبحت في بلاد المسلمين فلم يزل الأصل بالمسلمين – والحمد لله – الإسلام فذبائحهم حلال ولا داعي للسؤال.
وأما حديث عائشة الآتي:
عن عائشة قالت: ” قالوا: يا رسول الله إن ها هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتونا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا قال اذكروا أنتم اسم الله وكلوا.” رواه البخاري ( 6963 ).
قال ابن حجر:
قال ابن التين: وأما التسمية على ذبح تولاه غيرهم من غير علمهم فلا تكليف عليهم فيه وإنما يحمل على غير الصحة إذا تبين خلافها ويحتمل أن يريد أن تسميتكم الآن تستبيحون بها أكل ما لم تعلموا أذكر اسم الله عليه أم لا إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته إذا سمي ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا الأخير جزم ابن عبد البر، فقال فيه: أن ما ذبحه المسلم يؤكل ويحمل على أنه سمي؛ لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير حتى يتبين خلاف ذلك. ” فتح الباري ” ( 9 / 635 – 636 ).
فليس في الحديث دليل على أن الأصل التشكيك بالمسلمين بل فيه أن الأصل في ذبائح المسلمين: الحل؛ لأن الرسول صلى الله وسلم لم يتابع عائشة على ما قالت ولو تابعها لحرم أكل طعام المسلمين الذي يشك فيه.
فالحاصل: أن الأصل في ذبح المسلم الحل حتى تتيقن من عدم الذبح الصحيح.
والله أعلم.


