متى تجوز الغيبة وإفشاء الأسرار؟

السؤال

متى تكون الغيبة وإفشاء الأسرار حلالًا؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الغيبة محرمة في الكتاب والسنة وهي من الكبائر وهذا معروف لكل مسلم عاقل، أما القرآن فقول الله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} [الحجرات / 12 ].

ومن الحديث، كثير نذكر من ذلك:

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته “. رواه مسلم ( 2589 ).

ولكن هذا إن كانت الغيبة للتسلية وذكر الأعراض بالسوء والفحش وما أشبهه، وأما إن كان ذلك للمصلحة والفائدة ودفع الضرر والنصيحة: فعندئذٍ تجوز الغيبة بل قد تجب.

عن عائشة رضي الله عنها: ” أن هندا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح فأحتاج أن آخذ من ماله، قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف “. رواه البخاري ( 6758 ) ومسلم ( 1714 ).

فهذا الرسول صلى الله عليه و سلم لم ينكر على هند غيبتها لأبي سفيان لأنه اغتابته لمصلحة وهي عرض الحاجة والتظلم.

وعن فاطمة بنت قيس: ” أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ليس لكِ عليه نفقة، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني، قالت: فلما حللتُ ذكرتُ له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فكرهته ، ثم قال: انكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت “. رواه مسلم ( 1480 ).

– معنى ” لا يضع عصاه “: أي: كثير السفر، وقيل: كثير الضرب.

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض حال الرجال بما يعيبهم من أجل نصيحة فاطمة بنت قيس، ولو كان ذلك حراما لما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* يقول شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى -:

وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع منها:

المظلوم، له أن يذكر ظالمه بما فيه إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما قالت هند:  يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال لها النبي: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، وكما قال: ” لي الواجد يحل عرضه وعقوبته” وقال وكيع: عرضه : شكايته وعقوبته حبسه ……..

ومنها: أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم كما في الحديث عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي صلى الله عليه وسلم من تنكح، وقالت: إنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وروى ” لا يضع عصاه عن عاتقه “، فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك وهذا يؤذيك بالضرب وكان هذا نصحا لها وأن تضمن ذكر عيب الخاطب.

وفى معنى هذا: نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصى إليه ومن يستشهده بل ومن يتحاكم إليه وأمثال ذلك، وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال أهل الديوان وغيرهم، فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم. ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 229-230 ).

* وقال ابن حجر: 

والذي يظهر أن الستر محله في معصية قد انقضت والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها فيجب الإنكار عليه وإلا رفعه إلى الحاكم، وليس من الغيبة  المحرمة بل من النصيحة  الواجبة. ” فتح الباري ” ( 5 / 97 ).

* وقال ابن عبد البر:

على أن قول المرء في غيره ما فيه إذا سئل عنه عند الخطبة جائز، وأن إظهار ما هو عليه من عيب فيه صواب لا بأس به وليس من باب الغيبة  في شيء، وهو يعارض قوله ” إذا قلت في أخيك ما فيه فقد اغتبته ” وقد أجمعوا على أنه جائز تبيين حال الشاهد إذا سأل عنه الحاكم، وتبين حال ناقل الحديث، وتبين حال الخاطب إذا سئل عنه، وفي ذلك أوضح الدلائل على أن حديث الغيبة  ليس على عمومه. ” التمهيد ” ( 19 / 159 ).

* وقال الصنعاني: 

– واعلم أنه قد استثنى العلماء من الغيبة أمورًا ستة:

الأولى: التظلم، فيجوز أن يقول المظلوم فلان ظلمني وأخذ مالي أو أنه ظالم ولكن إذا كان ذكره لذلك شكاية على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها ودليله قول هند عند شكايتها له صلى الله عليه وآله وسلم من أبي سفيان إنه رجل شحيح.

الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، بذكره لمن يظن قدرته على إزالته فيقول فلان فعل كذا في حق من لم يكن مجاهرا بالمعصية.

الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي فلان ظلمني بكذا فما طريقي إلى الخلاص عنه ودليله أنه لا يعرف الخلاص عما يحرم عليه إلا بذكر ما وقع منه.

الرابع: التحذير، للمسلمين من الاغترار كجرح الرواة والشهود ومن يتصدر للتدريس والإفتاء مع عدم الأهلية، ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ” بئس أخو العشيرة “، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ” أما معاوية فصعلوك ” وذلك أنها جاءت فاطمة بنت قيس تستأذنه صلى الله عليه وسلم وتستشيره وتذكر أنه خطبها معاوية بن أبي سفيان وخطبها أبو جهم فقال: ” معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، ثم قال انكحي أسامة ” الحديث.

الخامس: ذكر من جاهر بالفسق أو البدعة، كالمكَّاسين وذوي الولايات الباطلة فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون غيره وتقدم دليله في حديث اذكروا الفاجر.

السادس: التعريف بالشخص بما فيه من العيب، كالأعور والأعرج والأعمش ولا يرد به نقصه وغيبته.

وجمعها ابن أبي شريف في قوله:

الذم ليـس بغــيبة في ستة                         متظلم ومعرف ومحذر

ولمظهر فسقا ومستفت ومن                         طلب الإعانة في إزالة  منكر

سبل السلام ” ( 4 / 193 – 194 ).

ثانيًا:

ومن ائتمنك على سرِّه فلا يحل لك أن تفشوه وتذيعه إلا إن ترتب على إخفائه ضرر على الآخرين أو على صاحبه.

فمثال الضرر على الآخرين:

أن يخبرك بمال أخذه من آخر، أو بظلم أوقعه على غيره، فهنا يجب إخبار صاحب الحق أن له حقًّا عند هذا.

– وأعظم منه: أن يتهم بريء بجناية صاحب السر هذا.

ومثال الضرر على نفسه:

أن يبوح لك بمعصية يقترفها، أو بكبيرة يرتكبها، وانقطعت بك سبل نصيحته والأخذ على يده، فلمصلحته أن تخبر من يستطيع أن يرحمه فيوقفه عند حدِّه، ويمنعه من فعل مخالفته تلك.

وهذا لا شك أنه يعود نفعه عليه، والإثم في بقائه على ما هو عليه قد يلحق بك أيضًا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة