مقبل على التوبة ولكنه يجد في نفسه حنيناً إلى سماع الغناء

السؤال

الحقيقة أنني أبحث عن موقع مثل موقعكم على الإنترنت منذ فترة طويلة جدّاً ، وسأبدأ بسؤالي مباشرة : أنا شاب أبلغ من العمر 21 عاما ويمكن أن تقول إني كنت منذ وقت ليس ببعيد لا أمتّ إلى الإسلام بصلة ، مع العلم أنني من بلد الحرمين ، ولكني أؤكد لك أن السبب لا أعرفه ، فقد كنت أشعر بكامل الضيق داخل المسجد ، ولا أحب سماع القرآن ، وأفضِّل سماع الأغاني الغربية على أي شيء آخر ، وكنت أشعر بالضيق أيضاً عند سماع الأذان ، وارتكبت من الذنوب والمعاصي ما يجعلني أبكي طوال سنين عمري خلال ما يقارب الخمس سنوات فقط ، وفي يوم من الأيام كنت في سيارتي أستمع إلى الأغاني الغربية بأعلى صوت ، فجاء إلى جانب سيارتي رجل ملتزم بسيارته مما دفعني إلى الخجل وخفضت صوت المسجل في الحال ، فبادرني الرجل بشريط بعنوان ” قصص لا أنساها ” وقال لي بالحرف : ” اسمعه إلى النهاية كما تسمع هذه الأغاني وأعطني الردّ ” ، فسمعت الشريط وقبل أن أصل إلى نصف الشريط كنت قد أجهشت بالبكاء حتى إن صوتي ارتفع ، وأغلقت عيني من كثرة الدمع وبكائي على ما فرطت من عمري ، والآن – ولله الحمد – فمنذ شهر رمضان الماضي بدأت الصلاة فرضاً فرضاً في المسجد ، ولأول مرة أصوم رمضان كاملاً ، واستمررت على ذلك إلا أنني أجد نفسي مشتاقاً لسماع الأغاني الغربية ، وعندما أسمعها ينعكس تأثيرها علي في اليوم التالي مباشرة من تفويت للصلاة والنوم الزائد ، يا سيدي إني أجد في نفسي صعوبة في الالتزام ليست بالشديدة وإنما أشعر أني كلما حاولت الاقتراب أكثر أجد ما يشغلني .

– أرجو النصح والإفادة كي أكمل طريقي.

وفقكم الله .

الجواب

الحمد لله

إن القلب الذي يحب الله ودينه لا يوجد فيه مكان لحب غيره ، ولا يجتمع في مؤمن قرآن الرحمن وغناء الشيطان ، وما تشعر به وتجده من الشوق إلى استماع الغناء يمكنك علاجه بما نذكره لك من أدوية ، والواجب عليك اتباع ما تراه وتقرؤه وتستعين بالله وحده ، ومنه:

  1. بغض المعصية ، وحب الطاعة ، ولتعلم أن حب العاصي لمعصيته معصية ، وبغضه لها طاعة ، وبغض المطيع لطاعته معصية ، وحبه لها طاعة ، ومحلهما القلب .
  2. أن تملأ وقتك بالطاعة وقلبك بالقرآن وتشغل سمعك بما ينفعك في دينك ودنياك .
  3. أن تُكثر من ذكر الله تعالى ، فالذكر يكسو الذاكرين الجلالة والمهابة ويورثهم محبة الله ، ويحيي عندهم المراقبة له والإنابة إليه والهيبة له ، وفي الذكر حياة قلب الذاكر ولينه ، وزوال قسوته ، وفيه شفاء القلب من أدواء الغفلة وحب المعاصي ، ويعين الإنسان على ما سواه من الطاعات ، وييسر أمرها ، فإنه يحببها إلى الإنسان ويلذذها له ، فلا يجد لها من الكلفة والمشقة ما يجده الغافل ، وفي الصحيح مرفوعا ” مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ” – البخاري ( 6044 ) – ، ومعنى الحديث : أن التارك للذكر وإن كان في حياة ذاتية : فليس لحياته اعتبار , بل هو شبيه بالأموات حسّاً الذين أجسادهم عرضة للهوام ، وبواطنهم متعطلة عن الإدراك والفهم .
  4. أن تكثر من الدعاء أن يخلصك الله من حب المعصية ، وأن تدعوه بالثبات على دينه وطاعته ، وأن يدفع عنك الهموم والغموم ، وهذا نافع جدّاً ، ومنه ما هو وقاية ، ومنه ما هو علاج ، فأما الوقاية فإن على المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى ويدعوه متضرعاً إليه بأن يعيذه من الهموم ويباعد بينه وبينها ، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقد أخبرنا خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه عن حاله معه بقوله : ” كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل فكنت أسمعه كثيراً يقول : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ” رواه البخاري ( 2736 ) .

– وهذا الدعاء مفيد لدفع الهمّ قبل وقوعه والدفع أسهل من الرفع .

… والكريم عز وجل إن طُرق بابه وسُئل أعطى وأجاب ، يقول جلّ وعلا : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } ” [ البقرة / 186 ]  .

  1. أن تعلم أن السمع نعمة من الله تعالى ، ويجب عليك شكر هذه النعمة ، وذلك بتصريفها في طاعة الله تعالى ، ومنعها من السماع لما حرَّمه الله عليك .

واعلم أنه بالشكر تدوم النِّعَم ، وبالكفر تزول ، فاحذر من زوالها واحرص على حفظها .

  1. مبدأ الأفكار والأعمال هو الخواطر ، فإذا أصلحت خواطرك صلح لك علمك وعملك ، وإصلاح الخواطر يكون باستشعار مراقبة الله لها واطلاعه عليها وعلمه بها .

قال ابن القيم :

وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر ، فمن راقب الله في سرِّه : حفظه الله في حركاته في سرِّه وعلانيته.

والمراقبة : هي التعبد باسمه الرقيب ، الحفيظ ، العليم ، السميع ، البصير ، فمن عقل هذه الأسماء وتعبَّد بمقتضاها : حصلت له المراقبة. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 66 ) .

  1. ونوصيك بالصحبة الصالحة ؛ فإنها تدلك على الخير ، وتحثك عليه ، وتصرفك عن السوء والشر وتحذرك منهما .
  2. ولو فكَّرت بهذه الأغاني الغربية وأن من يغنيها كافر يريد إفساد دينك وقلبك ، وأنك قد لا تكون تفهم ما يقول : فإنه يقع في قلبك بغض للمغني وأغانيه ، وأنك بإيمانك وعقلك أرفع من مثل هذه الأعمال .
  3. وندعوك للتفكر – أخيراً – في أمرٍ واحد مهم ، وهو أن تتفكر في حالك وأنك حين تسمع هذه الأغاني يأتيك الموت وتُقبض روحك ، فهل تعلم كيف ستُبعث من قبرك ؟ هل تعلم حالك حين لقاء ربك وقد مِتَّ على هذه الحال؟.

وتفكر في الجهة المقابلة في حال من مات وهو يقرأ القرآن ، أو وهو ساجد ، أو وهو يلبّي في الحج والعمرة ، وانظر إلى الفرق العظيم بين تينك الصورتين والحالين.

نأمل منك التفكر فيما قلناه لك ، ونسأل الله تعالى أن يهديك ويشرح صدرك للإيمان وطاعة الرحمن.

 

والله الهادي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة