حكم العمل في قيادة وإصلاح السفن التي تحمل الخمور وفي متنها منكرات

حكم العمل في قيادة وإصلاح السفن التي تحمل الخمور وفي متنها منكرات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيراً على هذا الموقع الأكثر من رائع ، أنا – والحمد لله – طالب بالمعهد العالي للدراسات البحرية بالمغرب ، وهذه السنة إن شاء الله سأتخرج منه ، لأعمل على متن السفن التجارية ، بداية : أود توضيح بعض الأمور حتى يتسنى لكم الإجابة على سؤالي : في المعهد ينقسم الطلاب إلى شطرين : شطر مكلف بسياقة السفينة ، وشطر مكلف بإصلاح المحرك ، وباقي الآلات المساعدة ، وكلا الصنفين من الواجب عليه أن يكون على متن السفينة طيلة رحلاتها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : أن السفن تنقسم بحسب الغرض المنوط بها ، فمنها ما هو مخصص لنقل المسافرين ، ومنها ما هو مخصص لنقل البضائع ، أو البتروكيماويات ، وهناك أنواع أخرى ليس هناك داعي لذكرها ، الأهم من هذه الأصناف : ما هو مخصص لنقل المسافرين ، والآخر المخصص لنقل البضائع ، حيث إن الأول غالباً – أو بالأحرى : دائما – ما توجد على متنه حانة لبيع الخمور ، وقد تقام على متنه الحفلات الماجنة ، أما الثاني : فقد يكون من ضمن البضائع ما هو محرم شرعاً ، كالخمور ، أو السجائر ، أو غير ذلك ، وأقول ” قد ” : لأن البضائع تكون مخزنة في صناديق حيث لا يتعرف طاقم السفينة على محتوياتها ، إلا في بعض الأحيان يكون قبطان السفينة – وهو أعلى رتبة يصل إليها المكلف بقيادة السفينة – يعلم ربما بمحتواها ، والمكلفون بنقل البضائع على متن السفينة هم أنفسهم المكلفون بقيادتها ، فما حكم عمل الصنف المكلف بإصلاح المحركات ، وباقي الآلات ، على متن كل من الصنفين المذكورين ؟ وما حكم مدخولهم : هل هو مال حلال أم حرام ؟ .
ونفس السؤال بالنسبة للصنف المكلف بقيادة السفينة ، ونقل البضائع على متنها .

الجواب:

الحمد لله
جعل الله تعالى سير السفن في البحار والأنهار من عظيم آياته ، وجليل نعمه على الخلق ، فقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل/14 ، وقال تعالى : ( وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ) الشورى/ 32 .
قال الإمام الطبري – رحمه الله – :
قول تعالى ذِكره : ومن حجج الله أيها الناس عليكم بأنه القادر على كل ما يشاء ، وأنه لا يتعذّر عليه فعل شيء أراده ، السفن الجارية في البحر ، والجواري : جمع جارية ، وهي السائرة في البحر .
” تفسير الطبري ” ( 21 / 540 ) .
وقد أصبحت هذه الآية الجليلة التي سخرها الله قياماً للناس محلاًّ للفواحش والمنكرات ، فلا تكاد تخلو سفينة راسية من ارتكاب منكرات ، وفعل فواحش ، كحمل البضائع التي حرَّم الله صنعها وبيعها ، والاختلاط والحفلات وشرب الخمور التي يكون من المسافرين عليها ، وكنقل الجنود لاحتلال الدول المظلومة لنهب ثرواتها ، وقتل أهلها ، وغير ذلك من المنكرات والفواحش .
وما تسأل عنه أخي السائل لا يعد ما ذكرناه آنفاً ، وإنما الجائز في مثل هذه الأعمال – قيادة السفن ، وصيانة الآلات – إنما هو حيث تخلو السفن مما ذكرناه آنفاً ، أو مما يشبهه .
ويمكن الاستدلال على المنع والتحريم بدليل عام ، وخاص ، أما العام : فهو النهي عن التعاون على الإثم والعدوان ، الوارد في قوله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 ، وأما الخاص : فهو تحريم حمل الخمر ، ولعن فاعله ، والوارد في السنَّة الصحيحة ، كما سيأتي .
وهذا العمل يحرم على المسلم الالتحاق به ، كما لا يجوز له الانتفاع بماله ، بل عليه التخلص منه بإنفاقه في وجوه الخير .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
إذا أعان الرجل على معصية الله : كان آثماً ؛ لأنه أعان على الإثم ، والعدوان ، ولهذا ( لعنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الخمرَ ، وعاصرَها ، ومعتصرَها ، وحاملَها ، والمحمولةَ إليه ، وبائعَها ، ومشتريَها ، وساقيَها ، وشاربَها ، وآكلَ ثمنها ) .
وأكثر هؤلاء كالعاصر ، والحامل ، والساقي : إنما هم يعاونون على شربها ، ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالاً محرَّماً : كقتال المسلمين ، والقتال في الفتنة .
ومن أخذ عِوضاً عن عين محرَّمة ، أو نفع استوفاه ، مثل أجرة حَمَّال الخمر ، وأجرة صانع الصليب ، وأجرة البغي ، ونحو ذلك : فليتصدق بها ، وليتب من ذلك العمل المحرم ، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله ؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به ؛ لأنه عوض خبيث ، ولا يعاد إلى صاحبه ؛ لأنه قد استوفى العوض ، ويتصدق به ، كما نص على ذلك مَن نَصَّ من العلماء ، كما نَصَّ عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر ، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم .
” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 141 ، 142 ) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة :
إنني مقيم في كندا وقد درست في تخصص التبريد والتكييف ، وهو التخصص الوحيد الذي عندي ، وكما لا يخفى عليكم أن مثل هذه البلاد لا تراعى فيها الحدود الشرعية ، فنجد في بعض المحلات التجارية المواد المخزنة متنوعة ، بحيث نجد في نفس الغرفة الكبيرة الباردة شتى أنواع الخضروات ، والمشروبات ، منها الحلال : كالحليب ، والمياه ، وعصير الفواكه ، كما أننا نجد في بعض الأحيان في نفس الغرفة ذات المساحة الكبيرة جناحاً فيه خمر ، وكذلك بالنسبة للحوم ، نجد لحم الأبقار ، والخرفان ، والدواجن ، كما قد نجد فيها أيضا لحوم الخنازير ، فهل يجوز لي أن أقوم بتصليح الأجهزة التبريدية لمثل هذه الغرف عند عطلها ؟ علماً بأني متخرج جديد ، ولا يسمح لي بالاشتغال لحسابي الخاص مباشرة بعد تخرجي من الدراسة ؛ إذ القانون الكندي لا يسمح لي بمزاولة هذه المهنة وحدي إلا من بعد أن أشتغل ثلاث سنوات لدى إحدى الشركات المعتمدة ، حتى أتقن المهنة ، وقد حاولت الهجرة للبلاد الإسلامية لكي أمارس هذه المهنة ، فالكل يسأل مني : هل لك التجربة في الميدان المذكور ؟ وبأن الشهادة وحدها لا تكفي للتشغيل ، فالآن ارتبك عليَّ الأمر من حيث الحكم الشرعي في الجواز أو عدمه ، لممارستي هذه المهنة ، حتى يتيسر لي أن آخذ بعض التجربة ، وأتمكن من الهجرة من هذا البلد ، أو أشتغل لحسابي الخاص ، وأتجنب التصليح عندما يكون فيه محظور شرعي .
فأجابوا :
إذا كان الواقع هو ما ذكرته في السؤال : فليس لك أن تستمر في العمل المذكور ؛ لقول الله عز وجل : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 ، يسَّر الله أمرك ، وعوَّضك خيراً من ذلك .
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد العزيز آل الشيخ , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ بكر أبو زيد .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 14 / 422 , 423 ) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً – :
يعمل زوجي محاسباً بأحد الفنادق التي تبيع الخمور ، وتقام فيها الحفلات منذ عشرين سنة ، ونحن نعتمد على هذا الدخل في طعامنا ، ومشربنا ، ومسكننا ، ولنا ثلاثة أولاد ، فهل هذه الأموال تعتبر أموالاً حراماً أم حلالاً ؟ وإن كانت حراماً : فكيف نتوب إلى الله من هذه الأموال بعد أن أكلنا منها ، وشربنا ، ونشأ منها أطفالنا ؟ فما هو رأي الدين في هذا الأمر ، أثابكم الله عنَّا خيراً ؟ .
فأجابوا:
العمل في الفنادق التي تباع فيها الخمور : محرم ؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ، والله تعالى يقول : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 .
وعلى ذلك : فالدخل المكتسب مقابل العمل في هذا الفندق : مال محرم ، وما ذكرت من اعتماد على هذا المال في طعامكم ومشربكم وتنشئة أولادكم منه : فإنه يجب عليكم التوبة النصوح مما مضى من ذلك ، والتخلص من المال المتبقي من ذلك المال ، بالتصدق به ، مع ترك العمل في هذا الفندق ، والبحث عن كسب حلال ، قال الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) الطلاق/ 2 ، 3 .
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد العزيز آل الشيخ , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ بكر أبو زيد .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 14 / 433 , 434 ) .
وما ذكرناه عن علمائنا ينطبق على ما جاء في السؤال ؛ ذلك أن النقل البحري فيه ما هو جائز وما هو محرم ، كما جاء في أسئلة السائلين لهم ، وكان الجواب منهم ما رأيت من المنع من مثل هذه الأعمال ؛ لما فيها من التعاون على الإثم والعدوان ، ومن مباشرة الحرام ، وهذه المنكرات التي على السفن توجب مفارقة أماكنها ، كما هو الحال في كل مكان يعصى فيه الله تعالى ويملك المسلم مفارقته ، وإلا كان شريكاً لهم في الإثم ، وانظر تفصيل ذلك في جواب السؤال رقم : ( 94936 ) .
وانظر فتوى الشيخ العثيمين في تحريم إيصال العاصي لمكان يعصي فيه ربَّه : جواب السؤال رقم : ( 3609 ) .
وانظر جواب السؤال رقم : ( 85191 ) في تحريم العمل في نقل لحم الخنزير إلى الشاحنات لبيعه .

والله أعلم

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة