الترجمة الذاتية ، آدابها ، ومن ألف فيها ، ومن ترجم لنفسه من أهل العلم

السؤال

هل للمسلم أن يكتب سيرته الذاتية وينشرها، أم أن ذلك مخالف للشرع؟.

الجواب

الحمد لله

أولاً:

كتابة السيرة الذاتية للإنسان من قبَل نفسه أمرٌ جائز في الأصل ، وقد ذكر العلماء أسباباً تدفع كاتب الترجمة لنفسه فعل ذلك ، من أبرزها :

  1. متعة الذكرى ، حتى لا تغيب في ثنايا النسيان بعد تقادم السن .
  2. ومنها : الوقوف على معاني الحياة الماضية , ومدى نصيبه منها في مجال العلم النافع ، والجهاد ، وما شاهده من المواقف والأحداث التي كان لها ارتباط بحياته ينشرها أمام الأجيال القادمة ملتزما بالواقع .

قاله الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه ” النظائر ، التراجم الذاتية ” ( ص 26 ) .

ثانياً:

ويشترط في الكاتب لنفسه ترجمة أن يتصف بالصدق ، وعدم التزكية لنفسه ، ونقل الحوادث من غير مبالغة وتهويل ، مع الاحتفاظ بالطاعات الخفية بينه وبين ربِّه ، وعدم نشرها .

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – :

فترجمة المرء لنفسه إذاً: تعتمد الصدق ، وتعتمد الصراحة ، والتزام الأمانة ، والتثبت .

ولهذا عليه اتهام نفسه فيما يكتب عنها ، فيعيد ويوثِّق ، ثم يعيد ويوثِّق ، حتى يكون مِن أصدق الناس فيما يرويه عن أحواله ، ومن اللطائف ما قاله بعض الكاتبين في هذا الصدد : ” إن قضية حياتي تتحول إلى الزيف كلما رويتها بنفسي ” .

فهي إذا التزم فيها ذلك : أعطت أصدق الصور عن المترجِم في الجوانب التي تحدث عنها , ولمن ترجَم لنفسه في ذلك من علماء الإسلام أوفر نصيب , ولهذا قال بعضهم إن ” الترجمة دفتر الحسنات والسيئات ” . ” النظائر ، التراجم الذاتية ” ( ص 26 ) .

ثالثاً:

وقد اختلفت طرق كتابة السيرة الذاتية من قبَل أصحابها ، كما اختلفوا في موضع كتابتها إن هم جعلوها في كتب التراجم .

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – :

– جرى الكاتبون لسيرتهم الذاتية في تقييدها على واحد من مسلكين :

فمنهم : مَن يسوقها بضمير الغائب ، كأنما يتحدث عن غيره ، حتى إذا وقفتَ عليها في ثنايا كتاب : ظننتَ أن المؤلف يتحدث عن شخص آخر .

ومنهم : مَن يسوقها بضمير المتكلم .

والمسلك الأول : أجمل في السياق ، ومن مباشرة القارئ بـ ” أنا ” ، و ” قلت ” , و ” كنت ” , و ” لي ” , و ” عني ” , و ” إني ” .

ومنهم : مَن يفردها برسالة ، أو كتاب مستقل .

وفريق آخر : إذا ألّف في التراجم ترجم لنفسه في حِرفهِ ، أو في آخِر الكتاب .

” النظائر ، التراجم الذاتية ” ( ص 28 ) .

رابعاً:

وقد ألِّف في هذا الباب مؤلفات متعددة، ذكر بعضها الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله، فقال:

في ذكر جملة من المؤلفات  والبحوث عن الترجمة الذاتية ، منها ما يلي :

  1. ” الترجمة الذاتية ” . شوقي ضيف .
  2. ” الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث ” . يحيى عبد الدايم .
  3. ” فن السيرة ” . إحسان عباس .
  4. ” المنتقى من دراسات المستشرقين ” . صلاح الدين المنجد , الجزء الأول , (ص 3 – 23 ) . بحث لبروكلمن باسم ” ما صنف علماء العرب في أحوال أنفسهم ” .
  5. ” خواطر حول الترجمة الذاتية في العصور الإسلامية ” للمستشرق الألماني : رودلف زلهايم , مجلة مجمع اللغة العربية , (41 / 7 – 34 ) .
  6. ” التراجم الذاتية ” . عبد الرحمن بدوي .

” كشاف الدوريات العربية ” لعبد الجبار عبد الرحمن ( 4 / 214 ) .

  1. ” التراجم الذاتية ” . مجدي الأسيوطي .

” كشاف الدوريات العربية ” ( 4 / 314 ) .

” النظائر ، التراجم الذاتية ” ( ص 28 ، 29 ) .

خامساً:

وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه القيم ” التراجم الذاتية ” – الطبعة الثانية – نحو ( 126 ) اسماً ممن ترجموا لأنفسهم ، ومن أبرزهم :

  1. عثمان بن سعيد الداني ( توفي 444 هـ ) .
  2. أبو حامد الغزالي ( توفي 505 هـ ) .
  3. عبد الغافر الفارسي ( توفي 529 هـ ) .
  4. أسامة بن منقذ ( توفي 584 هـ ) .
  5. أبو شامة المقدسي ( توفي 665 هـ ) .
  6. أبو الحجاج المزِّي ( توفي 742 هـ ) .
  7. الإمام الذهبي ( 748 هـ ) .
  8. ابن خلدون ( توفي 808 هـ ) .
  9. ابن حجر العسقلاني ( توفي 852 ) .
  10. الشيخ عبد العزيز بن باز ( توفي 1420 هـ ) .

– وغيرهم كثير ، تنظر أسماؤهم في كتاب الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله .

فعلى ذلك : فمن أراد أن يُترجم لنفسه : فلا بد أن يكون هدفه من ذلك الحث على الاستفادة من تجاربه ، وعلمه , وأن يتحرى الصدق ، والأمانة , وأن يتهم نفسه بالتقصير , وأن يتجنب مدح نفسه , وقبل ذلك أن يكون قد نضج علميّاً , وشهد له أهل العلم بعلمه ؛ خشية من الافتتان بنفسه إذا صار له ترجمة بين الناس .

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة