زوجها وابنها الأكبر في بلد كفر، وهي وولداها في بلد إسلامي، فهل تلحق بزوجها؟
السؤال
أريد منكم نصيحة في أمري ، وأريد أن أذكر خلفية عنه ؛ كي تتفهموا الموقف جيداً ، إنني امرأة متزوجة ، ولدي ثلاثة أطفال ، أحدهم من زواجي السابق ، ومنذ عامين انتقلت إلى الجزائر وحدي مع زوجي ، وولدي الأكبر من زوجي السابق ، وقد آثر البقاء في ” المملكة المتحدة ” لاستكمال دراسته ، ولم يأت معنا إلى الجزائر ، كما أن زوجي الحالي يعمل في المملكة المتحدة ، ويرعى ولدي الأكبر ، وأنا أعيش في الجزائر مع الاثنين الباقيين ، وهما : فتاة في الثالثة عشر من عمرها ، وولد في الرابعة من عمره ، وفي الوقت الحالي تذهب ابنتي إلى المدرسة الإسلامية ، وهو ما نخطط له من أجل الولد ، وقد اتفقت وزوجي على أن نعيش هكذا ، واتفقت أن نرى بعضنا كل ثلاثة أشهر ، وهو ما يفعله – والحمد لله – ، وبينما أنا أعيش وحدي هنا في هذا الوقت : وجدت أسرة زوجي الملتزمة جدّاً ، والذين لا يقومون بعوننا ، وتمضي الأسابيع عليَّ أنا وأولادي ولا يروننا ، وعندما يفعلون ذلك : فإنني أسمع ما يكره يخرج من أفواههم .
وإنني – والحمد لله – أعتني بنفسي ، وبصغاري ، وحدي ، وأرتدي النقاب ؛ لأن المجتمع الذي نعيش فيه مليء بالرجال ، وفي بعض الأوقات أكره الخروج ، ولكنني مجبرة عليه ؛ لألبِّي احتياجات بيتي ، وأطفالي ، وقد كنت أتمني أن أعيش هنا ، ولكنني توصلت في النهاية إلى أنني لن أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك في بلد لا أتحدث لغته ، وأنا امرأة حديثة العهد بالإسلام ، وليس معي زوجي ، وقد سألت زوجي أن يأتي إلى هنا ويعيش معنا ، ولكن الأمر صعب للغاية ؛ لأن ولدي في الثامنة عشر من عمره ، وهو الآن يخالط الفتيات منذ تركته ! وزوجي يعمل طوال اليوم ، ويتركه وحيداً ، وإنني أشعر بالألم ، والأسى ؛ لأنني أشعر بأنني أتحمل ذنب ولدي ، على الرغم من أنني بينت له الحلال والحرام أكثر من مرة ، ولذلك فإن زوجي لا يستطيع في هذه المرحلة أن يعيش هنا بسبب هذه الأمور ، وإنني أراني وأطفالي نعيش هنا وحيدين عاماً تلو الآخر ، وهو ما جعلني أفكر بالعودة إلى ” المملكة المتحدة ” ، وأن نعيش معاً مرة أخرى ، أسرة واحدة ؛ لأننا هنا نعاني بشدة من الوحدة ، إنني أحب كوني في بلد مسلم ، وإنه ليكسر قلبي أن أغادر هذا البلد ، ولكنه لا بد لي أن أكون مع عائلتي ، ولكنني عندما أخبرت زوجي بهذا الأمر : لم يكن سعيداً ، وقال لي : ماذا عن الأطفال ؟ إنه ليس مناسباً أن نعيدهم مرة أخرى إلى ” بريطانيا ” البلد غير المسلم ، وقد جعلني هذا الرضاء أكثر استياءً ، وقد جعلني أشعر بالوحدة الشديدة ، وإنني أعرف نعمة البقاء في بلد مسلم ، ولكن ما أعاني منه هو الوحدة ، ليس إلا ، فليس لديَّ زوج ، أو أب ، أو محرَم ، وإنني في حيرة من أمري ، وقد صليت الاستخارة مرتين إلى الآن ، وما يجعلني مستاءة هو علمي بأن زوجي لا يريد عودتي وأولادي إلى بريطانيا ، إنني كزوجة أشعر بإحباط شديد ؛ حيث أن الرباط الزوجي بيننا لم يعد قويّاً كما كان ، وأعرف أنني لو عدت إلى بريطانيا وحدثت أية مشكلة فسوف يرمي بها علي عاتقي.
– أرجو أن تفيدوني في هذا الأمر .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله أن يجزيك خيراً على استقامتك , وهجرتك من تلك البلاد إلى بلاد الإسلام , فمعلوم أنه يجب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ؛ لما يترتب من العيش في تلك البلاد مفاسدة كثيرة , وقد سبق لنا الحديث عن هذا.
ثانياً:
ومما لا شك فيه أن مسؤولية الأولاد مسؤولية عظيمة , يسأل عنها المرء يوم القيامة , ومن تلك المسؤولية : منعهم من كل ما يفسدهم ، أو يؤثر على دينهم ، واستقامتهم , ولا شك أن بعدهم عن تلك البلاد التي يغلب عليها الانحلال , وغلبة المعاصي : سبب من أسباب السلامة ، والنجاة من الوقوع في الفتن , وفي الحديث عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، … وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) . رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ) .
ثالثاً:
حقيقة السكن والطمأنينة : أن تعيش الأسرة مع بعضها بعضاً , من زوج ، وزوجة ، وأولاد , وبُعد الأب عن أولاده ، أو الزوج عن زوجته : له سلبيات عديدة , وأمور لا تحمد عقباها , والواجب على الراعي – من زوج ، وأب – أن يحرص على البقاء مع أسرته ؛ لأنها أمانة , والقيام بأمر الأسرة دينيّاً ، من نصح ، وتوجيه ، وإرشاد : أعظم من القيام بها في أمر المعاش فقط , وكم تسبب بعد الرجل عن بيته ، والأب عن أولاده ، من ضياع للأولاد ، وفساد للزوجة , ونقص – أو ترك – للدِّين .
رابعاً:
عند تعارض الأولويات ، وازدحامها : يقدَّم خير الخيرين ، ويُدفع شرُّ الأشرين , وهذا قاعدة عامة عند تعارض المصالح والمفاسد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
والرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها , وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان , ودفع شر الشرين بخيرهما . ” الجواب الصحيح ” ( 2 / 215 ) .
فمصلحة الحفاظ على دين الأولاد ، واستقامتهم : أعظم – في نظر الشرع – من تحصيل نفع دنيوي ، من عمل ، أو دراسة , والواجب عليكِ ، وعلى زوجك : العيش في بلاد الإسلام ، وترك تلك البلاد , وخصوصاً أنك ذكرت بداية انفلاتٍ من ابنكِ الأكبر فيها .
فالنصيحة :
- لزوجك : أن يتقي الله تعالى ، ولا يبتعد عن زوجته ، وأسرته ؛ لأن في بعده عنهم ألماً ، وتنغيصاً لهم , وفي قربه وبقائه معهم إدخالُ السرور , وتحملُ المسؤولية ، والقيام بحق الزوجة والأولاد ، مع بيان أنه لا يجوز للمسلم أن يعيش في تلك البلاد , وهو ليس أمراً مخيَّراً فيه ، بل هو واجب شرعي , كما سبق في الجوابين المحال عليهما .
- ولكِ : بأن تصبري على البقاء في ديار المسلمين ، وأن تستعيني بالله تعالى ، وتلتجئي إليه ، أن يحفظ أولادك ، وأن يجمع بينك وبين زوجك ، وأن يثبتك على البقاء في بلاد المسلمين .
فإن لم يستطع زوجك العودة للعيش في بلده المسلم لظروف معينة ، أو لم يستجب للحكم الشرعي بالخروج منها لبلد إسلامي : فيُنظر إلى أعظم المصلحتين فيؤخذ بها , وأعظم المفسدتين فتُجتنب , مع الاستعانة بالله تعالى ، والتوكل عليه .
والذي نراه في قضيتك : أن بقاءك في ” الجزائر ” فيه :
- تطبيق لحكم الشرع بالخروج من ديار الكفر .
- تحقيق لرغبة زوجك بالبقاء فيها .
- المحافظة على ابنك ، وابنتك ، من الانحراف ، والضياع .
- المحافظة على نفسك من بيئة الفتن في ديار الكفر .
ونرى أن رجوعك لتلك الديار الكافرة فيه :
- مخالفة للحكم الشرعي في الإقامة في تلك الديار .
- مخالفة لرغبة زوجك في عدم الرجوع .
- احتمال التسبب في انحراف الابنة والابن – لا قدَّر الله – .
ويبقى عندنا أمران ، يحتاجان لحل : الزوج ، والابن الأكبر :
أما الزوج :
فقضيته قد حُلَّت بتنفيذ الاتفاق على اللقاء كل ثلاثة أشهر ، وقد سبق أن خروجه من تلك الديار هو المتعين عليه .
وأما الابن الأكبر :
فأمامكم أحد حلِّين : إما أن تسارعوا بتزويجه بفتاة مسلمة صالحة ؛ لإعفافه ، ودلالته على الخير ، وعدم التسبب في ضياع دينه ، أو إخراجه من تلك الديار ليلحق بك ، وبأولادك .
فيتبين أن بقاءك في ” الجزائر ” فيه تحقيق لمصالح كثيرة ، وأن رجوعك لديار الكفر فيه مفاسد كثيرة ، وليس فيه إلا احتمال القضاء على مفسدة ضياع الابن الأكبر ، وهو ما يمكن فعله من غير ذهابك إلى هناك ، فاصبري على حالك ، وداومي على العناية بولديك ، واسعي في تخليص زوجك ، وابنك ، من تلك الديار .
خامساً:
والواجب عليكِ المبادرة للقضاء على وحدتك التي تسبب لها قلقاً ، وهمّاً ، وغمّاً ، وفي ذلك نوصيك بعمل برنامج يومي منوَّع منضبط ، يجمع بين قراءة القرآن ، وقراءة ما يتيسر من كتب العلم ، والاستماع لبرامج نافعة هادفة من المذياع ، أو من القنوات الإسلامية الموثوقة ، وبذا تقضين على وقت الفراغ الذي يجلب الأمراض ، ويقضي على العمر الذي يمضي منك من غير نفع ، ولا فائدة ، وابحثي عن أخوات مستقيمات يقمن معك على تلك تنفيذ ذلك البرنامج ، تأنسين بهم ، ويعينونك على طلب العلم ، وفك الوحدة .
والله سبحانه نسأل أن يحفظ عليك دينكِ ، واستقامتكِ ، ويحفظ لك أولادك ، وزوجكِ ، وأن يثبتهم على الدين , وأن يجمع بينك وبين زوجك على خير.
والله أعلم.


