أرجو أن تخبرنا عن الإمام أبي حنيفة؟
السؤال
أرجو أن تخبرنا عن الإمام أبي حنيفة:
فبعض الناس يقولون بأن الإمام لم يكن عالما مؤهلا بدرجة كافية, وأن بعض علماء عصرنا هم أكثر علما منه، فهل هذا صحيح؟
الجواب
الحمد لله
أبو حنيفة إمام من الأئمة الأربعة المشهورين، وهو صاحب مدرسة الرأي المشهورة، ولكنه رحمه الله تعالى كان منه بعض الهفوات التي تمسك الناس بها وجعلوها من المطاعن والمآخذ التي يطعن فيه لأجلها.
ولذا نذكر بعض أقوال العلماء فيه من خلال الهفوات التي حسبت عليه:
- القول بخلق القرآن.
- الإرجاء.
- الخروج بالسيف.
- ضعفه في رواية الحديث.
- تقديم الرأي على النص.
أولا:
قوله بخلق القرآن:
أما القول بخلق القرآن: فالصحيح أنّ أبا حنيفة كان يقول بذلك ثم تاب عنه، وهذا بيان ثبوت القول عنه وتوبته منه.
– قال أبو نعيم صاحب الحلية: النعمان بن ثابت: أبو حنيفة مات ببغداد سنة خمسين ومائة قال بخلق القرآن واستتيب من كلامه الرديء غير مرة، كثير الخطأ والأوهام.” المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم ” ( 1 / 84 ).
– عن أسد بن موسى قال: استتيب أبو حنيفة مرتين. ” مسند الشافعي ” ( 1 / 249 ).
– عن ابن المبارك قال: ذكر جهم في مجلس أبي حنيفة فقال: ما يقول؟ قالوا : يقول القرآن مخلوق، فقال: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. ” اعتقاد أهل السنة ” ( 2 / 269 ).
– عن سعيد بن منصور قال: سمعت ابن المبارك يقول: والله ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن ولا يدين الله به.” اعتقاد أهل السنة ” ( 2 / 269 ).
– عن عبد الله بن معاذ العنبري قال: سمعت أبي يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين.
ثانيا:
الإرجاء:
مما لا شك فيه أن أبا حنيفة كان مرجئاً يؤخر العمل عن الإيمان، أي: كان يعرِّف الإيمان بأنه اعتقاد وقول ولا يُدخل العمل فيه، وقد مات رحمه الله تعالى على ذلك ولم يُعلم عنه أنه رجع عنه.
– قال أبو نعيم: قال حماد: أتدرون ما كان أبو حنيفة إنما كان يخاصم في الإرجاء فلما تخوف على مهجته تكلم في الرأي فقاس سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض؛ ليبطلها وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقاس. ” حلية الأولياء ” ( 6 / 259 ).
– وقال البخاري: نعمان بن ثابت: أبو حنيفة الكوفي مولى لبني تيم الله بن ثعلبة روى عنه عباد بن العوام وابن المبارك وهشيم ووكيع ومسلم بن خالد وأبو معاوية والمقري، كان مرجئاً سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه قال أبو نعيم مات أبو حنيفة سنة خمسين ومائة.” التاريخ الكبير”( 8/81).
ثالثا:
الخروج بالسيف:
– عن إبراهيم بن شماس السمرقندي قال: قال رجل لابن المبارك ونحن عنده: إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك.” السنة ” لعبد الله بن أحمد ( 1 / 182 ).
– قال أبو إسحاق الفزاري قال: سمعت سفيان الثوري والأوزاعي يقولان: وكان أبو حنيفة مرجئا يرى السيف.” تاريخ بغداد ” ( 13 / 399 ).
– وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبو الفضل الخراساني ثنا الحسن بن موسى الأشيب قال: سمعت أبا يوسف يقول: كان أبو حنيفة يرى السيف، قلت: فأنت؟ قال: معاذ الله.” السنة ” لعبد الله بن أحمد ( 1 / 182 ).
– وقال الذهبي: قال خليفة: صلَّى إبراهيم العيد بالناس أربعاً وخرج معه أبو خالد الأحمر وهشيم وعباد بن العوام وعيسى بن يونس ويزيد بن هارون ولم يخرج شعبة، وكان أبو حنيفة يأمر بالخروج.” سير أعلام النبلاء ” ( 6 / 223 ) .
رابعا:
ضعفه في الحديث:
– قال البخاري: نعمان بن ثابت: أبو حنيفة الكوفي مولى لبني تيم الله بن ثعلبة، روى عنه عباد بن العوام وابن المبارك وهشيم ووكيع ومسلم بن خالد وأبو معاوية والمقري، كان مرجئا سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه، قال أبو نعيم: مات أبو حنيفة سنة خمسين ومائة.” التاريخ الكبير”(8/81).
– وقال الإمام مسلم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت صاحب الرأي مضطرب الحديث ليس له كبير حديث.” الكنى والأسماء” ( ص 276 ).
– وقال الجوزجاني: أبو حنيفة لا يقنع بحديثه ولا برأيه.” أحوال الرجال ” ( 1 / 75 ).
خامسا:
تقديمه الرأي على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
– قال يوسف بن أسباط: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركته لأخذ بكثير من قولي قال: وسمعت أبا إسحاق يقول: كان أبو حنيفة يجيئه الشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيخالفه إلى غيره.” تاريخ بغداد ” ( 13 / 401 ).
– وفي” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 7 / 276 – 326 ) فصل كامل فيما خالف فيه أبو حنيفة حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وبعض ما خالفه كان يعلم ما ورد فيه من أهل الحديث.
هذا مجمل ما أخذ على أبي حنيفة، وقد اختلفت كلمة العلماء فيه بين مادح وقادح تبعاً لما ثبت عند كل واحد منهم ما ورد في حقه وثبت عنه.
ومن ذلك:
– عن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن يسكن.” معجم الشيوخ ” ( 1 / 241 ).
– وقال عبد الله: حدثني عبدة بن عبد الرحيم سمعت معرفا يقول: دخل أبو حنيفة على الأعمش يعوده فقال: يا أبا محمد لولا أن يثقل عليك مجيئي لعدتك في كل يوم، فقال الأعمش: من هذا؟ قالوا: أبو حنيفة، فقال: يا ابن النعمان أنت والله ثقيل في منزلك فكيف إذا جئتني.” السنة ” لعبد الله بن أحمد ( 1 / 190 ).
ومنهم من جعله أعلم الناس وأفقههم:
ومن ذلك:
– قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال:” من حسن علم الرجل أن ينظر في رأي أبي حنيفة”. ” السنة ” لعبد الله بن أحمد ( 1 / 180 ).
– قال الذهبي في فضل هذا الإمام: وقال علي بن عاصم: لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم.
– وقال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر لا يعيبه إلا جاهل، وروي عن الأعمش: أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت الخزاز وأظنه بورك له في علمه.
– وقال جرير قال لي مغيرة: جالِس أبا حنيفة تفقه؛ فإن إبراهيم النخعي: لو كان حيا لجالسه.
– وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس.
– وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
– قال الذهبي: قلت: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام وهذا أمر لا شك فيه.
وليـس يصـح في الأذهان شـيء إذا احـتاج النهـار إلـى دلـيل
وسيرته تحتمل أن تفرد في مجلدين رضي الله عنه ورحمه.” سير أعلام النبلاء ” ( 6 /223 ).
* وأخيرا نقول: هكذا الناس لا يزال بعضهم يذم بعضاً ويمدح بعضهم بعضاً حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
والخلاصة:
أنه قد صحَّت أسانيد عن علماء كبار عاصروا أبا حنيفة في ذمِّه وتضعيفه، وصحَّت أسانيد في مدحه والثناء عليه من آخرين.
فما ثبت أنه خالف اعتقاد أهل السنة فيه فنرده ولو جاءنا ممن هو أعظم من أبي حنيفة، وإذا جاءنا منه ما وافق السنة أخذناه ولو جاءنا ممن هو أقلَّ منه.
وأما هو في شخصه فنرجو أن يعفوَ الله ويتجاوز عنه، ولا يهمنا الاشتغال بالمتكلم قدر ما يهمنا الكلام في قوله وكلامه.
والله أعلم.


