قصة الحسين مع يزيد في فقرات مختصرة
كتبها : فؤاد أبو الغيث
التعريف بيزيد بن معاوية :
يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء ؛ ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح ، وكان من شبان المسلمين ؛ ولا كان كافرًا ولا زنديقًا ؛ وكان فيه شجاعة وكرم ، ولم يكن مظهرا للفواحش ، كما يحكي عنه خصومه ( 1 ) .
أخذ البيعة ليزيد في حياة أبيه :
وقد أخذت البيعة له في حياة أبيه ، وقد قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة ليزيد ، وكان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس ، ثم مات ابن أبي بكر (53-58) ، وهو على ذلك ( 2 ) .
موت معاوية والبيعة ليزيد :
فلما مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عباس، ولم يبايع الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة إلى مكة فرارًا من بيعة يزيد فأقاما بها ( 3 ) .
إشارة الأحباء الألباء أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس – رضي الله عنهم – على الحسين – رضي الله عنه – أن لا يخرج ، فلم يقبل مشورتهم :
ولقيهما عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس ، فقال لهما ابن عمر: ما وراءكما ؟
قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد بن معاوية.
فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ، ولا تفرقا بين جماعة المسلمين . أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا ؛ فإن اجتمع الناس عليه ؛ فلم تشذا ، وإن افترقوا عليه ؛ كان الذي تريدان.
وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ، وإنك بضعة منه ، ولا تنالها – يعني الدنيا – واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بن علي بالخروج ، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش ، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس ، فإن الجماعة خير .
وقال ابن عباس : استشارني الحسين بن علي في الخروج ؛ فقلت: لولا أن يزري بي وبك الناس ؛ لشبثت يدي في رأسك ؛ فلم أتركك تذهب ، فكان الذي رد علي أن قال: لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة . قال : فكان هذا الذي سلى نفسي عنه.
وقال له ابن عباس: وأين تريد يا ابن فاطمة ؟ فقال : العراق وشيعتي ، فقال : إني لكاره لوجهك هذا ؛ تخرج إلى قوم قتلوا أباك ، وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم ؟ أذكرك الله أن تغرر بنفسك .
وقال أبو سعيد الخدري : غلبني الحسين على الخروج ، وقلت له : اتق الله في نفسك ، والزم بيتك ، ولا تخرج على إمامك ( 4 ) .
ورود الكتب على الحسين – رضي الله عنه – من بلاد العراق ؛ يعدونه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر :
فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ، ويقدمون عليه ، ويجلسون حواليه ، ويستمعون كلامه ، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد …
وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يعدونه إليهم ، وذلك حين بلغهم موت معاوية وولاية يزيد ، ومصير الحسين إلى مكة فرارًا من بيعة يزيد ، ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر , وقالوا : إنه قد أميتت السنة ، وأحييت البدعة ، وإنه … وإنه … حتى يقال : إنهم أرسلوا إليه كتبًا ملء صندوق وأكثر … ( 5 )
خروج الحسين – رضي الله عنه – إلى العراق :
فخرج الحسين إليهم ، وقدم قبله ابن عمه مسلم بن عقيل ؛ ليبايع له الناس ، ثم جهز إليه عسكرًا ، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة واليًا عليها من قبل يزيد ؛ ليمنع الحسين – رضي الله عنه – ويدفعه عن الأمر ، فخذل غالب الناس عنه ، فتأخروا رغبة ورهبة ، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل هو وجماعة من أهل بيته … ( 6 )
وأرسل ابن زياد عمر بن سعد بن أبى وقاص لأسر الحسين ، فامتنع عمر من ذلك ، فأرغبه ابن زياد وأرهبه حتى فعل ما فعل ( 7 ) .
مقتل الحسين – رضي الله عنه – :
وبلغ الحسين – رضي الله عنه – مقتل مسلم ، ورأى أن الأمور قد تغيرت ؛ فأراد الرجوع، فوافته سرية عمر بن سعد ، وطلبوا منه أن يستأسر لهم ، فأبى ، وطلب أن يردوه إلى يزيد ابن عمه حتى يضع يده في يده ، أو يرجع من حيث جاء ، أو يلحق ببعض الثغور ؛ فامتنعوا من إجابته إلى ذلك بغيًا وظلمًا وعدوانًا ، ولو كان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته إلى ذلك ؛ فكيف لا تجب إجابة الحسين إلى ذلك ، ولو كان الطالب لهذه الأمور من هو دون الحسين ؛ لم يجز حبسه ولا إمساكه ، فضلاً عن أسره … ( 8 )
وكان من أشدهم تحريضًا عليه شمر بن ذي الجوشن ، ولحق بالحسين طائفة منهم ، وقاتلوه فقاتلهم فقتلوه وطائفة ممن معه ؛ مظلومًا شهيدًا شهادة أكرمه الله بها ، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين ، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه … ( 9 )
أثر مقتل الحسين – رضي الله عنه – في يزيد :
ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك – والله أعلم بسريرته ( 10 ) – وظهر البكاء في داره، وأكرم أهل بيت الحسين ، وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم .
وقد علم أنه لم يأمر بقتله ابتداء ، وروي عنه أنه لعن ابن زياد على قتله . وقال : كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين ، لكنه مع ذلك لم يظهر منه إنكار قتله ، والانتصار له ، والأخذ بثأره ، فما انتقم من قاتليه ، ولا عاقبهم على ما فعلوا ؛ إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه [ الذي كان يخاف عليه من ] الحسين وأهل البيت – رضي الله عنهم أجمعين – وكان هذا هو الواجب عليه ، فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب مضافًا إلى أمور أخرى ( 11 ) .
قول أهل السنة والجماعة في يزيد :
فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه ؛ لأنهم يعتقدون أنه فعل من الظلم ما يجوز لعن فاعله.
وطائفة أخرى ترى محبته ؛ لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة ؛ وبايعه الصحابة . ويقولون : لم يصح عنه ما نقل عنه ، وكانت له محاسن أو كان مجتهدًا فيما فعله .
والصواب هو ما عليه الأئمة : من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن .
ومع هذا فإن كان فاسقًا أو ظالماً ، فالله يغفر للفاسق والظالم ، لا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة ( 12 ) .
ويقولون بالحديث الذي في السنن ( خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا …) يعتقدون أنه كان ملك جمهور المسلمين وخليفتهم في زمانه صاحب السيف كما كان أمثاله من خلفاء بني أمية وبني العباس ، فهذا مر معلوم لكل أحد ، ومن نازع في هذا كان مكابرًا؛ فإن يزيد بويع بعد موت أبيه معاوية ، وصار متوليًا على أهل الشام ومصر والعراق وخراسان وغير ذلك من بلاد المسلمين ( 13 ) .
آراء الناس في قتل الحسين – رضي الله عنه – :
وصار الناس في قتل الحسين – رضي الله عنه – ثلاثة أصناف : طرفين ووسطًا :
أحد الطرفين يقول : إنه قتل بحق ؛ فإنه أراد أن يشق عصا المسلمين ، ويفرق الجماعة ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من جاءكم وأمركم على رجل واحد ، يريد أن يفرق جماعتكم ؛ فاقتلوه ) .
قالوا : والحسين جاء وأمر المسلمين على رجل واحد ؛ فأراد أن يفرق جماعتهم .
وقال بعض هؤلاء : هو أول خارج خرج في الإسلام على ولاة الأمر .
وهؤلاء هم الناصبة .
والطرف الآخر قالوا : بل كان هو الإمام الواجب طاعته الذي لا ينفذ أمر من أمور الإيمان إلا به ، ولا تصلى جماعة ولا جمعة إلا خلف من يوليه ، ولا يجاهد عدو [إلا] بإذنه ونحو ذلك …
وأما الوسط فهم أهل السنة الذين لا يقولون لا هذا ولا هذا .
بل يقولون : قتل مظلومًا شهيدًا ، ولم يكن متوليًا لأمر الأمة ، فقد استشهد – رضي الله عنه – يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، وهي أول سنة ملك يزيد – قبل أن يتولى على شيء من البلاد .
وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي يأمر فيها بقتال المفارق للجماعة ؛ لم تتناوله ؛ فإنه لما بلغه ما فعل بابن عمه مسلم بن عقيل ؛ ترك طلب الأمر ، ولم يقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده ، أو إلى الثغر ، أو إلى يزيد داخلاً في الجماعة ، معرضًا عن تفريق الأمة ؛ فلم يمكنوه ، وطلبوا منه أن يستأسر لهم ، وهذا لم يكن واجبًا عليه . ولو كان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته إلى ذلك ؛ فكيف لا تجب إجابة الحسين إلى ذلك ، ولو كان الطالب لهذه الأمور من هو دون الحسين ؛ لم يجز حبسه ، ولا إمساكه ، فضلاً عن أسره وقتله ( 14 ) .
وإنما كان طالبًا للولاية حتى رأى أنها متعذرة ( 15 ) في آخر الأمر للعجز ؛ لأنه لم يكن له أنصار ، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة ، وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع صلى الله عليه وسلم في النهي عن الخروج على الأمراء ، وندب إلى ترك القتال في الفتنة ، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه ؛ صار إزالته على هذا الوجه منكرًا ، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف ؛ كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا ( 16 ) .
الدروس والعبر المستفادة من قصة الحسين – رضي الله عنه – مع ولاية الأمر :
وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة ، وترك قتالهم ، والخروج عليهم = هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد ، وأن من خالف ذلك متعمدًا أو مخطئًا ؛ لم يحصل بفعله صلاح بل فساد ؛ ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بقوله : ( إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ، ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة ، ولا بخروج على الأئمة ، ولا نزع يد من طاعة ، ولا مفارقة للجماعة ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحيح كلها تدل على هذا … ( 17 )
والحسن – رضي الله عنه – كان دائمًا يشير على أبيه وأخيه بترك القتال ، ولما صار الأمر إليه ترك القتال ، وأصلح الله به بين الطائفتين المقتتلتين .
وعلي – رضي الله عنه – في آخر الأمر تبين له أن المصلحة في ترك القتال أعظم منها في فعله .
وكذلك الحسين – رضي الله عنه – لم يقتل إلا مظلومًا شهيدًا تاركًا لطلب الإمارة طالبًا للرجوع إما إلى بلده أو إلى الثغر أو إلى المتولي على الناس يزيد ؛ فتبين له في آخر الأمر ما كان الشارع دل عليه من أول الأمر ( 18 ) .
==
1. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (3 / 410) .
2. البداية والنهاية ، لابن كثير (8 /161) .
3. المصدر السابق .
4. المصدر السابق .
5. المصدر السابق ، ومجموع الفتاوى (27/470) ، وإقامة الدليل على إبطال التحليل ، لابن تيمية (4 / 205) .
6. فتح الباري ، لابن حجر (7 / 95) .
7. مجموع الفتاوى (27/470) .
8. منهاج السنة النبوية ، لابن تيمية (4 / 353) .
9. مجموع الفتاوى (27/471) .
10. مجموع الفتاوى (27/480) .
11. مجموع الفتاوى (3/411) ، (27/480) .
12. مجموع الفتاوى (3 / 413) .
13. منهاج السنة النبوية (4 / 308) .
14. منهاج السنة النبوية (4 /332 – 354 ) .
15. المصدر السابق (2 / 35) .
16. منهاج السنة النبوية (4 /321) .
17. المصدر السابق (4 / 317) .
18. المصدر السابق (4 /320 – 323 ) .

