بيان سجنات شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وأسبابها وآثارها :
السجنة الأولى: في دمشق عام 693 لمدة قليلة، بسبب واقعة عساف النصراني، الذي شهد عليه جماعة أنه سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغ الخبر شيخ الاسلام -رحمه الله تعالى- اجتمع هو والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على نائب السلطان بدمشق، عز الدين أيبك الحموي فطلب النائب إحضاره، فحضر عساف ومعه مجيره “أمير آل علي” فضربهما الناس بالحجارة؛ لهذا طلب النائب الشيخين: ابن تيمية والفارقي، فضربهما بين يديه، وَرَسَّمَ عليهما بالعذراوية ثم استدعاهما النائب وأرضاهما، وادعى النصراني الإسلام، ثم قتل في طريقه إلى الحجاز، قتله ابن أخيه.
وعلى إثر هذه الواقعة أَلَّف شيخ الإسلام: “الصارم المسلول على شاتم الرسول” .
السجنة الثانية: في القاهرة لمدة عام وستة شهور من يوم الجمعة 26/ 9 رمضان سنة 705 سُجن في برج أيامًا، ثم نقل إلى الجُبِّ بقلعة الجبل ليلة العيد 1/ 10 / 705 ومعه أخواه الشرف عبد الله والزين عبد الرحمن، واستمر إلى يوم الجمعة 23/ 3 / 707. وكان خادمه وتلميذه إبراهيم الغياني من المرافقين له في سفره هذا إلى مصر.
وسببها: ما ذكره ابن كثير في حوادث سنة 705 :
وهي بسبب مسألة العرش ومسألة الكلام ومسألة النزول، وفيها من المواقف البطولية، والصدق في ذات الله ما يملأ النفس بالإيمان والمجد في العمل.
وكان مما جرى فيها أن أخاه الشرف، ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيح وقال له: بل قل: “اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق”.
السَّجْنَة الثالثة: بمصر لمدة أيام قليلة ابتداء من 3/ 10 / 707 بسبب استعداء السلطة عليه من المتصوفة بالقاهرة؛ لمنعه الاستغاثة والتوسل بالمخلوقين، وكلامه في ابن عربي، فعقد له مجلس فاختلف الحضور بين براءته، وإدانته، وكان في طرف الإدانة القاضي البدر ابن جماعة.
عندئذ خُيِّر بين أمور ثلاثة: العودة إلى دمشق، أو البقاء بالإسكندرية بشروط، أو الحبس فاختار الحبس، فألح عليه جماعة من رفاقه ليسير معهم إلى دمشق ويقبل الشروط فوافقهم فركب خيل البريد ليلة 18/ 10 / 707.
وبسببها ألف كتابه في الاستغاثة المعروف باسم: الرد على البكري.
السجنة الرابعة: بمصر في قاعة الترسيم من آخر شهر شوال سنة 707 إلى أول سنة 708 أي لمدة تزيد عن شهرين.
ذلك أنه لما اختار بعد السجنة الثالثة السفر إلى دمشق بشروط، رَدُّوْه من مثاني الطريق يوم ليلة سفره 18/ 10 / 707 بمشورة نصر المنبجي الحلولي، الذي يحتل مكانة عند الوالي، فَعُرِض الشيخ على قضاة المالكية، فاختلفوا، فلما رأى الشيخ ذلك قال: “أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة” فعكف عليه الناس، زيارة، وتعلمًا، واستفتاءً.
السجنة الخامسة: الترسيم عليه بالإسكندرية في 1/ 3 / 709 إلى 8/ 10 / 709 دون مرافق معه تحت نظر الولاية. وهذه مكيدة أخرى من نصر المنبجي، والجاشنكير، يتربصان من يغتاله، وفي هذه الحال جاء عنده بعد أيام شمس الدين بن سعد الدين الحراني، وأخبره أنهم يسفرونه إلى الإسكندرية وجاءت المشايخ التدامرة وأخروه بذلك، وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك، أو نفيك، أو حبسك، فقال لهم: أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص دعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت، تقلبت على صوف، فيئسوا منه وانصرفوا.
وما هي إلا شهور ويتولى الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 709 فأفرج عن الشيخ واستدعاه للقاهرة، وقتل الجاشنكير شَرَّ قِتْلة، وَحَمَلَ نصرًا المنبجي ومات في زاويته. وأراد الناصر أن ينتقم من القضاة والفقهاء الذين كانوا يوالون الجاشنكير، فاستفتى شيخ الإسلام ابن تيمية، ففهم الشيخ مقصوده، فشرع في مدحهم والثناء عليهم، وأنهم لو ماتوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حل من جهتي.
وكان القاضي ابن مخلوف المالكي يقول بعد ذلك:
“ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبْق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا”. عندئذٍ نزل الشيخ القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والخلق على اختلاف طبقاتهم يترددون عليه وهو يقول: “أنا أحللت كل من آذاني”، “ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه”.
وحصل له من الإجلال والتعظيم ما يطول وصفه، وبَسَطَه ابن كثير في سنوات 709 – إلى سنة 712.
واستمر إلى أن قدم دمشق صحبة السلطان لملاقاة التتر في 8/ 10 / 712 أي بعد غيبة في مصر دامت نحو سبع سنين، سُجِن ورُسِمَ عليه خلالها أربع مرات، استغرقت نحو سنتين ونصف، وكان أخواه معه حتى عاد إلى دمشق.
وحصل خلال إقامته هذه بمصر خير كثير، ونشر للعلم عظيم، وفيها كانت جملة كبيرة من مؤلفاته منها: “منهاج السنة النبوية” و “الإيمان” و “الاستقامة” و “تلبيس الجهمية” و “الفتاوى المصرية” وغيرها مما ذكره ابن رجب في ترجمته.
السجنة السادسة: بدمشق لمدة خمسة أشهر وثمانيةٍ وعشرين يومًا، من يوم الخميس 7/ 12 / 720 إلى يوم الاثنين 10/ 1 / 721 بسبب مسألة الحلف بالطلاق، وأنتجت هذه مجموعة كبيرة من الكتب والفتاوى والردود الحافلة، منها: “الرد الكبير على من اعترض عليه في مسألة الحلف بالطلاق”.
السجنة السابعة: بدمشق لمدة عامين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، ابتداء من يوم الاثنين 6/ 8 / 726 إلى ليلة وفاته -رحمه الله تعالى- ليلة الاثنين 20/ 11 / 728 بسبب مسألة الزيارة، وأنتجت تأليف كتابه: “الرد على الإخنائي”.
وفيها حصل له من الفتوح الربانية بالعلم، والعبادة، ما يبهر العقول، وصدر منه من الكتب والرسائل والفتاوى العجب العجاب، مع أنه في آخر وقته مُنِعَ القلم والدواة والكتب والرقاق.
انتهى
قاله : الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – في مقدمة كتاب ” الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون ” للمؤلفيْن : الشيخ محمد عزير شمس ، والشيخ علي بن محمد العمران

