لماذا كانت الغبطة في معلِّم الناس الخير وفي المنفق في سبيل الله دون المجاهد والمصلي والصائم الحاج ؟!
الجواب :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} {على الأرائك ينظرون} {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} {يسقون من رحيق مختوم} {ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} فأمر المنافس أن ينافس في هذا النعيم لا ينافس في نعيم الدنيا الزائل، وهذا موافق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ( نهى عن الحسد إلا فيمن أوتي العلم فهو يعمل به ويعلمه ومن أوتي المال فهو ينفقه ) فأما من أوتي علما ولم يعمل به ولم يعلمه أو أوتي مالا ولم ينفقه في طاعة الله : فهذا لا يُحسد ولا يُتمنى مثل حاله فإنه ليس في خير يرغب فيه بل هو معرَّض للعذاب، ومن ولي ولاية فيأتيها بعلم وعدل أدى الأمانات إلى أهلها وحكم بين الناس بالكتاب والسنة : فهذا درجته عظيمة؛ لكن هذا في جهاد عظيم، كذلك المجاهد في سبيل الله، والنفوس لا تحسد من هو في تعب عظيم؛ فلهذا لم يذكره، وإن كان المجاهد في سبيل الله أفضل من الذي ينفق المال؛ بخلاف المنفق والمعلِّم فإن هذين ليس لهم في العادة عدو من خارج، فإن قُدِّر أنهما لهما عدو يجاهدانه : فذلك أفضل لدرجتهما، وكذلك لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم المصلي والصائم والحاج؛ لأن هذه الأعمال لا يحصل منها في العادة من نفع الناس الذي يعظمون به الشخص ويسودونه ما يحصل بالتعليم والإنفاق.
والحسد في الأصل إنما يقع لما يحصل للغير من السؤدد والرياسة وإلا فالعامل لا يُحسد في العادة ولو كان تنعمه بالأكل والشرب والنكاح أكثر من غيره بخلاف هذين النوعين فإنهما يُحسدان كثيرا، ولهذا يوجد بين أهل العلم الذين لهم أتباع من الحسد ما لا يوجد فيمن ليس كذلك، وكذلك فيمن له أتباع بسبب إنفاق ماله، فهذا ينفع الناس بقوت القلوب وهذا ينفعهم بقوت الأبدان، والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا وهذا.
” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 113 – 115 ) .

