نَشيجٌ على كرسي الشيخ !

نَشيجٌ على كرسي الشيخ !

كان الوالد رحمه الله يصطحبنا نحن أبناءَه إلى دروس الشيخ الجليل ابن باز رحمه الله ونحن صبيان، وكان يحرص على ذلك؛ وهو يدرك أننا قد لا نَعي بعض ما يُقرأ في تلك الدروس الباذخة؛ بَيد أننا أدركنا فيما بعدُ أنه كان يريد أن ينالنا شيء من بركة العلم ودروس التربية .
صحيحٌ أننا كنا نخرج أحيانا لنشاهد بائعي الصقور إلى جوار الجامع الكبير صباح كل خميس! لكن ذلك لم يُنسِنا مشهد الشيخ الجليل أبي عبد الله وهو مطرقٌ رأسَه في نشيج تقطعه الحوقلة والتسبيح حين تقرأ عليه بعض آثار السلف ومواقف إجلالهم للباري تعالى. ويقول : الله المستعان هذا سفيان فماذا نقول ..؟! أو كلمة نحوها.
أما بكاء الشيخ وهو يستمع إلى القارئ يقرأ (حديث الإفك) أو (قصة الثلاثة الذين خُلّفوا) أو (قصة الأنصار) فذلك مشهود مسجّل متداول.

وأخبرني الشيخ د . عبد الرحمن الفريوائي أن شيخه العالم الجليل عبد المحسن العبّاد كان يشرف على رسالته في تحقيق كتاب (الزهد) للإمام وكيع بن الجرّاح، يقول الفريوائي : فكنت أقرأ عليه فيسكت فألتفت إليه فإذا عيناه تذرفان !

ورأيت نحو هذا من شيخين من أساطين العقيدة وهما : الشيخ عبد الرحمن البراك والشيخ عبد الله الغنيمان .
لم يكن نموذج ابن باز (العالم الربّاني) _ فيما نحسب والله حسيبه_ وتلك النماذج إلا امتدادا للأجيال السلفية الفريدة.

وقرأت فيما بعد لابن الجوزي رحمه الله وهو يتحدث عن أشياخه في [صيد الخاطر] فيتوقف عند أحدهم ويقول :
(ولقيت عبدالوهَّاب الأنماطي ؛ فكان على قانون السلف ؛ لم يُسْمَع في مجلِسهِ غيبةٌ ، ولا كان يطلبُ أجراً على إسماع الحديث ، وكنتُ إذا قرأتُ عليه أحاديث الرقائق بكى ، واتَّصل بكاؤه !
فكان – وأنا صغير السنِّ حينئذٍ – يعملُ بكاؤه في قلبي ، ويبني قواعد).
بل كان ذلك أمرا مألوفا لدى السالفين من أئمة الحديث، فهذا أبو جعفر أحمد بن بديل يقول:
(لقد رأيتنا ونحن نكتب الحديث، فما يُسمع إلا صوت قلم أو باكٍ) [الآداب الشرعية لابن مفلح].

ولستَ أيها الفاضل بحاجة إلى أن أسرد لك مواقف السلف ؛ فذلك أمرٌ يطول، وحسبك أن تقرأ كتابا كالكتاب النفيس (سير أعلام النبلاء) للحافظ الذهبي رحمه الله؛ لا سيّما ما كان من تلك الأخبار متوّجا بتعليقات المصنّف التربوية.

وبعد : فإنه ينبغي ألا تخلو دروس العلم من روحانية إجلال الله تعالى، وينبغي أن يتمثّل الشيخ ذلك واقعا ينقله لتلاميذه كما ينقل لهم دقائق المسائل وخلافات المذاهب.
أرأيت لو أن الشيخ وهو يفيض في سرد ما يُحتاج إلى ذِكْرِهِ من أقوال المخالفين في الصفات مثلا؛ أرأيت لو أنه وقف عند صفات الباري تعالى فسكب في نفوس الطلبة معاني تلك الأسماء والصفات وآثارها في الآفاق والأنفس ماذا سيكون لذلك من أثر؟!

وقل مثل ذلك في الشيخ الذي يشرح كتابا في الفقه، ماذا لو عرّج على محاسن الشريعة وحِكَم التشريع ولم يكتفِ بشرح قول الماتن وذكر الخلاف؛ لا سيّما في هذا الزمن الذي كثُرت فيه الشبهات، وتطاول فيه الطاعنون على محكمات الشرع وثوابت الدين.

وختاما : قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله:
(رأيتُ الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب ، إلا أن يُمزَج بالرَّقائق والنظر في سِيَر السَّلف الصالحين) . والسلام

يعقوب بن مطر العتيبي
تمّ التحديث ‏‏١٨‏/١١‏/٢٠١٧ ٩:١٧ م‏‏

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,800المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة