ملتزم يقيم في بلد أوربي وله دروس يعاني من غرقه بالشهوات والمعاصي فبماذا يُنصح؟

السؤال

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

– أسأل الله أن يوفقكم لما يحب ويرضى.

إني شاب أدرس في بلد أوروبي , لقد تعرفت على السنَّة ، وأهلها في هذه البلاد , ومنَّ الله عليَّ بالاستقامة فيها ، فبعدما بدأتُ بداية قوية في أول الالتزام : بدأت الآن أتراجع , وأصبحتُ أقترف ذنوباً لم أقترفها حتى في أيام جهلي بالدين ، لكن رغم ذلك ما زلت – والحمد لله – أواظب على الصلوات الخمس في المسجد ، وعلى بعض النوافل , وألقي درساً أسبوعيّاً في شرح بعض الأحاديث النبوية المهمة ، استناداً على شرح أهل العلم لها , ولا ألقي هذا الدرس لأني عندي علم بالأحاديث , وإنما لعدم وجود من يلقي الدروس ، وإصرار الإخوة على ذلك ؛ فأنا صراحة لا أستحق هذا الفضل ، والله أعلم .

المهم : أني أشعر بنفاق في قلبي ؛ لأني ألقي الدرس فأحث المستمعين على مجاهدة النفس ، والصبر , وأنا أخالف ذلك ، لأني – مثلاً – لا أستطيع غض بصري عن النساء ، وهذه هي مشكلتي الكبرى ، فعند ذهابي إلى المسجد – مثلاً – أمرُّ بمئات النساء عاريات كأنهن في الشاطئ ، وخصوصاً في الصيف ، فلا أصِلْ إلى المسجد إلا وقد جمعتُ ذنوباً كثيرةً ، و أصلي وقلبي مريض ، فلا أخشع في الصلاة ، وأشعر بأني لم أصلِّ , وهذا هو الذي جعلني في حالة نفسية سيئة , فأتوب إلى الله من هذه الذنوب ، فأتحسن ، ثم بعد مدة تتفاوت كل مرة أرجع لهذه المعاصي ، وأولها : إطلاق البصر إلى النساء ، ثم أتوب بعد ذلك ، وهكذا فأشعر أن توبتي لم تُتقبل .

لقد قرأتُ حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : ( ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة ، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا ، إن المؤمن خلق مفتَناً تواباً نسَّاء ، إذا ذُكِّر ذَكَر ) .

وقرأتُ عليه تعليقاً أعجبني لكن لا أدري صحته ، وهو أنّ النّاظر إلى النّصوص يدرك بجلاء أنّ مراد الله تعالى من العبد ليس مجرّد السّلامة من المخالفة ، بل المراد : بقاء العلاقة بين العبد وربّه ، بمعنى : أن يطيعه العبد فيُؤجر ، ويذنب فيستغفر ، وينعم عليه فيشكر ، ويقتّر عليه فيدعوه ويطلب منه ، ويضيّق أكثر فيلجأ ويضطر ، وهكذا ، ولذلك ورد في بعض الآثار أنّ العبد الصّالح يغفل ، أو ينسى فيضيّق الله عليه ببلاء ، حتّى يسمع صوته بالدّعاء والالتجاء ، وورد أنّ العبد المؤمن يكثر من الذّكر ولا يستغفر، فيقدّر الله عليه الذّنب ليسمع صوته في الاستغفار، فصراحة : ارتحت قليلاً منه، ولكن عندما أقرأ الحديث الآخر يصيبني الإحباط الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً ) ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ : ( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ) .

– فهذا الحديث ينطبق عليَّ كاملاً ، والله المستعان .

الآن أنا أفكر في أن أنتهي عن إلقاء الدرس إلى أن تتحسن نفسي، فما هو الحل يا ترى؟. أفتوني مأجورين.

الجواب

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته , وأسأل الله العظيم بمنِّه وكرمه أن يثبتك على الاستقامة , وأن يصرف عنك الفتن ، ما ظهر منها وما بطن .

أولاً:

عندما ينظر المسلم إلى مثل هذه الأسئلة : يزداد يقيناً وإيماناً باسم الله تعالى ” الحكيم ” سبحانه ,  فما من حُكم يشرعه لعباده فيه ما يصلحهم إلا حثَّهم عليه , ولا يفسدهم إلا نهاهم عنه , ومن مثل هذا السؤال يتبين المسلم الحكمة من النهي عن السكنى ببلاد الكفار ، والعيش بين كنف المشركين ، وفي ديارهم ؛ وذلك لأنها مظنة الافتتان ، وضعف الإيمان , ومدعاة لارتكاب محاذير شرعية كثيرة .

ثانياً:

كلماتك – أخي السائل – تدل على أنك غير راض عن نفسك ، وأنك تشعر بالخطأ تجاه نفسك ، وتجاه ربك , ولا شك أن هذا علامة صدق ، ودليل خير , وأن وازع الإيمان في قلبك لا يزال حيّاً , ولتعلم أن طريق الجنَّة محفوف بالشهوات , وهو طريق يحتاج في سلوكه إلى صبر ، ومجاهدة ، وتحمل ، ولذا لزم الاستعانة بالله , واللجوء إليه ، والذل بين يديه ؛ ليأخذ بيدك إلى برِّ الأمان ، فتصل إلى رضاه من غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة .

وإن من أعظم ما يضر المسلم في حياته ، ومن أكثر ما يكون سبباً لفتنة قلبه ، ودينه : هو معصية إطلاق البصر في المحرمات ، وقد صحَّ عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله ” الإثم حَوَازُّ القلوب وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع ” رواه البيهقي في ” شُعَب الإيمان ” ( 4 / 367 ) .

قال الشيخ محمد السفاريني – رحمه الله – :

ومعنى ” حَوَّاز ” بفتح الحاء المهملة وتشديد الواو ، وهو : ما يحوزها ، ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحسن .

وقيل : بتخفيف الواو وتشديد الزاي – أي : ” حَوَازّ ” – جمع حازَّة ، وهي الأمور التي تحزُّ في القلوب ، وتحك ، وتؤثر ، وتتخالج في القلوب ، فتكون معاصي ، وهذا أشهر . ” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( ص 65 ) .

ولذا كان للتنبيه على هذا المعصية نصيباً وافراً في إجاباتنا .

– وانظر في أجوبتنا الأخرى للوقوف على السبل، والوسائل المعينة على غض البصر .

ثالثاً:

أما حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ ) : فقد أخرجه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 11 | 304 ) ، وصححه الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2276 ) ، ولكن تعقبه الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف رحمه الله في جزئه ” حديث ( ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة ) في الميزان ” ، وبيَّن أن الحديث ضعيف , ونبه على خطأ الشيخ في تصحيحه لهذا الحديث .

ويغني عنه: حديث  أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم ). رواه مسلم ( 2749 ).

وسواء هذا الحديث ، أو الذي قبله ؛ فإنه ليس فيهما تشجيعاً على فعل المعصية – حاشا وكلا – بل هو لتطمين التائبين بأنه من فعل ذنباً فإنه لا ينبغي له أن يقنط من رحمة ربه ، أو يعتقد أن ذنبه أعظم من عفو الله ورحمته ، فما على المذنب سوى التوبة الصادقة ، والعزم على عدم العود لمثل ذنبه ذاك ، ولبعلم أن الله تعالى متفضل عليه بتوفيقه للتوبة ، وعدم أخذه بفعل ذلك الذنب .

قال الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري – رحمه الله – :

قال الطِّيبي : ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله ؛ فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب ، بل بيان لعفو الله تعالى ، وتجاوزه عن المذنبين ؛ ليرغبوا في التوبة .

والمعنى المراد من الحديث : هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين , وقد دل على ذلك غير واحد أسمائه : الغفار ، الحليم ، التواب ، العفو , ولم يكن ليجعلَ العباد شأناً واحداً كالملائكة ، مجبولين على التنزه من الذنوب ، بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميَّالاًَ إلى الهوى ، متلبساً بما يقتضيه ، ثم يكلفه التوقي عنه ، ويحذره من مداناته ، ويعرِّفه التوبة بعد الابتلاء ، فإن وفَّى : فأجره على الله , وإن أخطأ الطريق : فالتوبة بين يديه ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم به : أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة : لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب ، فيتجلى عليهم بتلك الصفات ، على مقتضى الحكمة ؛ فإن الغفَّار يستدعي مغفوراً ، كما أن الرزَّاق يستدعي مرزوقاً . ” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 193 ) .

وأما حديث ثَوْبَانَ رضي الله عنه : فقد رواه ابن ماجه في ” سننه ” ( 4245 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” ، فللعلماء حوله كلام كثير ، وأحسن ما قيل فيه : أنه في الذين يتكرر منهم انتهاك محارم الله باستمرار ، وأن من صفاتهم الاستخفاف بما حرَّم الله ، وأنهم لا تنكسر قلوبهم عند فعلهم لتلك المعاصي ، بل يتجرأون على فعلها، بل انتهاكها .

قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :

هؤلاء ( إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) لا يعني خلوا مرة واحدة ، وإنما هذا ديْدُنهم ، وشأنُهم ، وهِجِّيراهم ، دائماً ، فلذلك تطغى هذه المحرمات على تلك السيئات . ” سلسلة الهدى والنور ” شريط رقم ( 226 ) .

قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي – حفظه الله – :

أي : أن عندهم استهتاراً ، واستخفافاً بالله عز وجل ، فهناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار ، والمعصية التي تأتي بغير انكسار ، بين شخص يعصي الله في ستر ، وبين شخص عنده جرأة على الله عز وجل ، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء ، وإن كانت أمثال الجبال ، فإذا كان بين الصالحين : أَحْسَنَ أيما إحسانٍ ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله ، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال ، فظاهرها حسنات ، ( لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) فهم في السر لا يرجون لله وقاراً ، ولا يخافون من الله سبحانه وتعالى ، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر ، ويكره هذه المعصية ، ويمقتها ، ويرزقه الله الندم ، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر وعنده الندم ، والحرقة ، ويتألم : فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله عز وجل ؛ لأنه – في الأصل – معظم لشعائر الله ، لكن غلبته شهوته ، فينكسر لها ، أما الآخر : فيتسم بالوقاحة ، والجرأة على الله ؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص ، أو شخصين ، ولا يتحدث عن نص محدد ، إنما يعطي الأوصاف كاملة . ” شرح زاد المستقنع ” ( رقم الدرس 332 ) .

ولنكن معك صادقين : فإننا لا نجزم بدخولك في القوم الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان رضي الله عنه ، كما أننا لا نستبعد ذلك عنك !؛ وذلك أنك محقق لبعض صفاتهم من جهة ، وغير محقق لصفات أخرى لهم من جهة أخرى ، فاستمرارك بفعل السيئات كلما خلوت ببيتك يُدخلك في أولئك الأقوام الذين ورد ذِكرهم في الحديث ، وانكسار قلبك ، وخشيتك من الله تعالى ، وندمك ، بعد فعل تلك المعاصي : يُبعدك عنهم ، لذا فإن عليك أن تحذر أشد الحذر أن تكون من أولئك الأقوام ، أو تكون قريباً من صفاتهم ، فانج بنفسك من مستنقعات الرذيلة ، وطهِّر بدنك بماء التوبة ، واغسل قلبك بثلج اليقين ، واحذر من تدنيسه بدرن الآثام : تفز برضوان الله تعالى ، وتنال رحمته ، واحذر أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم : ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) النساء/ 108 .

 قال ابن رجب – رحمه الله : 

قال بعض العارفين : اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك . وقال بعضهم : ابن آدم إن كنت حيث ركبت المعصية : لم تصف لك من عيني ناظرة إليك ؛ فلما خلوت بالله وحده صفَت لك معصيته , ولم تستح منه حياءك من بعض خلقه ، ما أنت إلا أحد رجلين ، إنْ كنتَ ظننتَ أنه لا يراك : فقد كفرت , وإن كنت علمتَ أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك مِن أضعف خلقه : لقد اجترأت . ” جامع العلوم والحِكم ”  ( ص 162 ) .

فالنصيحة أخانا السائل :

  1. أن تقطع سبل التعرض للفتن ، بتعجيل الانتهاء من تلك البلاد .
  2. الزواج ، فهو الحصن الحصين لك إن شاء الله – , وخصوصاً في مثل تلك البلاد التي يكثر فيها الفتن .
  3. الالتجاء إلى الله تعالى , والتضرع إليه ، بأن يصرف عنك تلك الذنوب ، قال تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة/ 186 .
  4. مجاهدة النفس ، ودفع وسوستها ، وشرورها ، والعناية بتزكيتها بطاعة الله ، قال تعالى : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) الشمس/ 8 – 11 ، وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت/ 69 .

ومما يعينك على ذلك : أن تكثر من صحبة الصالحين , وتكثر من الاستغفار , وأن لا تتعرض للفتن ؛ وذلك بالابتعاد عن أماكنها .

  1. وننصحك أن تستمر بمواصلة إعطاء الدروس ، وعدم توقيفها ، واحذر من الشيطان أن يزيد عليك المعاصي بتركها ، أو يوهمك أن تركها هو علاج ما أنت فيه من حال ، وتفصيل ذلك : أنك مأمور بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ومأمور بفعل المعروف الواجب ، وترك المنكر المحرم ، فإذا تركت أمر الناس بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر بحجة عدم قيامك بهما : صارت عليك آثام ذلك الترك ، بالإضافة لما عندك من معاصٍ بترك الواجب ، وفعل المحرَّم ، وأيضاً : فإن الشيطان قد يوسوس لك بأنك متناقض في حالك ، وأن علاجك هو في ترك تدريس الناس ، ووعظهم ! وإنما يريد الشيطان أن يغلق عليك أبواباً من الخير ، قد تكون سبباً لتركك لتلك المنكرات ، وبهذا جاءت كلمات السلف تحذر من الوقوع في مثل هذا المكر من الشيطان .

قال الحسن البصري رحمه الله لمطرف بن عبد الله : ” عِظ أصحابك ” ، فقال : ” إني أخاف أن أقول ما لا أفعل ” ! قال : ” يرحمك الله ، وأيُّنا يفعل ما يقول ! ودَّ الشيطان أنه قد ظفر بهذا ، فلم يأمر أحدٌ بمعروف ، ولم ينه عن منكر ” .

وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخه : سمعت سعيد بن جبير يقول : ” لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء : ما أمر أحدٌ بمعروف ، ولا نهى عن منكر ” .

قال مالك : ” وصدق ، مَن ذا الذي ليس فيه شيء ” ! .

وقد أحسن القائل :

لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب             فمن يعظ العاصين بعد محمـد

فكُن أول المستفيدين من دروسك ، وكن أول المستجيبين لوعظك ، واستعن بالله تعالى ربك أن يعينك على نفسك ، وأن يخلصك من شرورها .

والله سبحانَه نسأل : أن يوفقك لكل خير ، ويعينك على طاعته ونيل رضاه ، ويثبتك على الإسلام والسنَّة ، وأن يصرف عنك الفتن ما ظهر منها وما بطن .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة